في رفض العمامة والقبعة

Posted on ديسمبر 4, 2011

0


فاز الإسلاميون، ودخلوا البرلمان من أبوابه العريضة. ليس في مصر وحسب بل في تونس والمغرب وغدًا في سوريا وما تبقى من البلاد العربية. كل القمع الذي كان يلحق بهم سيتفجر تطرفًا وحقدا. عندما أفكر بالسيناريو المرسوم للمستقبل القريب أو البعيد، أرى عودة ألف سنة إلى الوراء، أرى ذبحًا ورؤوسًا متطايرة. هم إسلاميون لكن الإسلام ليس دينهم، هم متدينون لكن إيمانهم مخيف قد يصيبك بالهلع. ستصاب البلاد بلوثة من التطرف، سيصبح الحكم أمرًا منزلًا من السماء، مقدّسًا لا يجوز هتكه أو الاعتراض عليه. سينقلب الحاكم إلى سلطةٍ إلهية تمثّل ظل الله على الأرض. من يخالف يستحق التنكيل، من يرفع صوته معترضًًا يتجاوز حدودًًا حمراء وأوامر عليا.
أصعب الديكتاتوريات هي تلك الدينية، لأنها تنزل حكمها باسم السلطة الغيبية، ترفض أن تكون حكمًا بيد الشعب والناس البسطاء، بل هي إرادة عليا، أمرٌ منزل من سابع سماء، لا تجوّز المخالفة فيه شرعًا.
لن يكون حكم الإسلام، بل حكم السلاطين والملالي. الإسلام الذي ينادون به، متطرف لا يقبل بالآخر مساويًا له، من يخالفه يستحقّ الدهس والتحقير، الإسلام الذي ينادون به فظٌّ غليظ القلب لا يحمل رأفةً لأحد، يقتل، يحزّ الرؤوس، كل من يخالفه كافر، إسلامٌ جاهلي يإد الأحياء.
إسلامًٌ لا يختلف عن حكم طالبان، ولا سنن القاعدة، لا يخجل بأن يذبح البشر باسم الله ورسوله، لا يستحي من بيوتات العبادة، فكل ما يخالفه كفرٌ وشركٌ بدين وحده من يعرف أسراره.
موجة من التطرف ستجتاح البلاد العربية بعد سنين من حكم الديكتاتوريات العلمانية، سيتقوقع فيها الشعب، ويفضّل العودة إلى العصور الأولى، سيرى في الحكم الديني ملجأ من ضروب الظلم والاضطهاد المدني. أن يظلم باسم الدين خيرٌ من استبداد لعائلة حاكمة، ومسؤولين تفوح منهم رائحة الفساد المالي والأخلاقي. الشعب البسيط، الذي لا يريد أكثر من أن يعيش بكرامة، وأن تلبّى احتياجاته الفيزيولوجية الأولى لن يقبل بالحرية عارية كما تقدمها الأحزاب المعارضة للتيار الإسلامي.
هذا الشعب الذي رأى الدولة المدنية بحقوق مهدورة وواجبات مفروضة، ورئيسٍ يلتصق بالحكم وعسكر يلاحق من يصلي أو من يطيل ذقنه. هذا الشعب لن ينتخب من يدافع عن انحلال أخلاقي يراه بأم عينه ويحاولون إقناعه بأنّه الحرية التي يبحث عنها. يرفض الشعب أن يرى نفسه عاريا، حتى ولو وضعت أمامه المرآة، لن ينظر إلى عريه فيها، لن يقبل أن يُمسخ وتُسقط عليه قوانين تخالف ما تربّى عليه، لأجل ذلك ينتخب الشعب من يشبهه لا من يعتقدون أنهم يستحقون حكمه.
ما نريده هو حكم يشبهنا، لا مسخٌ سواء أكان دينيًا أو لا ديني. الإنسانية لا تعني أن تتخلى عن كل ما تؤمن به من معتقدات وأفكار لتذوب في بوتقة من المفاهيم الغربية. ليست حضارتهم أفضل من حضارتنا، ولا أخلاقهم أفضل من أخلاقنا، ولا مجتمعاتهم متماسكةً أكثر من مجتمعاتنا. لن نذوب في كذبة النظام العالمي الذي يحولنا إلى مستهلكين لأنماط من التفكير لا تنتمي إلينا. نملك من التراث الفكري ما يفيض، يحوي تاريخنا من العبر والمفكرين ما يثري العالم بالتغيير، لو نقرأ فقط، لو نفكّر نحن بدلًا من أن يفكّر الآخر عنا. بناء الوعي الذي يمنحنا القدرة على التمييز بين الناقة والجمل، هو من الأولويات التي علينا أن نسعى إلى تحقيقها. وعي يمكّننا من استعادة ثقتنا بالأمة الحقيقية، يرمّم نقاط ضعفنا التي أحدثت فجوات هائلة في علاقتنا مع التاريخ.
العودة إلى الذات، هو شعار المرحلة المقبلة. الذات النقية التي لم يلوثها بلاط السلطان، ولم تزيفها أيادي تستسهل كتابة التاريخ الكاذب. الذات التي ترفض أن تكون عبدةً لأحد، لا تحقّرها أيٌّ من الذوات الأخرى، لا تُستلب روحها الأصيلة لتصبح نسخة مكررة عمّا يقال إنها الحضارة. أن تكون متحضرًا، لا يعني أن تكون غربيًا، لا يعني أن تكون مسلوبًا.
وأن تكون عربيًا، لا يعني أن تكون سلفيًا متشددًا متعصبًا، ترفض الآخر بكل أشكاله، ترفض التلاقح والتبادل. ما نريده هو انفتاحٌ يكون لنا فيه قالبٌ معين له وزنه وقدرته على تبادل الأفكار مع الآخرين لا الانبطاح أمام أفكارهم.

Advertisements