اللبناني والكهرباء: قصّة عن الحبّ والظلام

Posted on ديسمبر 3, 2011

0


لو قدّر للبناني أنّ يختار معشوقةً ليتغزّل بها ليل نهار ، لتخلب لبّه وتسلب له أحاسيسه وحواسه لما اختار غير الكهرباء. فهي ليست فتاةً عاديةً سهلة المنال، تكاد تكون من أصعب أنواع الحبيبات، وأشدّهن مراسًا، واعتدادًا بالنفس. الكهرباء عند اللبناني من أسراره الخاصّة، شيءٌ مقدّسٌ لا ينفع معها الأساليب المعترف بها عالميًا للظفر بالمعشوقات. فهي بعيدة المنال، لا تطلّ برأسها قليلًا على الجماهير الغفيرة حتّى تغيب لأزمان، حضورها قليلٌ لكنّه مشبّعٌ بالهيبة، لا تسمع لتنهدات العاشقين وزفير الوالهين ولا تأبه بسهر المنتظرين، لا يهمّها تمنيات أحد ولا توسلاتٌ تكاد تصل إلى حدّ تقديم القرابين. الكهرباء تلك المحبوبة التّي لم تدخل بيتًا إلّا وأدخلت السعادة إليه من أوسع أبوابه، حتّى ولو لم تمارس إلّا وصلةً شرقيةً تعيد بها الأمل إلى العيون التي أطفئها الظلام.

قصّة اللبناني والكهرباء ليست سوى حكايةً من حكايات العشق التي تمتد لآلاف الليالي والليالي، ليس من الشرط أن تنتهي بسعادةٍ تجمع بين الرأسين على وسادة، هي قصة عن الثأر والانتقام، عن رجلٍ من عامة الشعب وقع في حبّ أميرةٍ حبسها الحاكم بين جدران قصره لجرأتها في تهاونها بدمها الأزرق ومسخ الذي لا يستحي في طلب ما لا يليق به إلى ضفدع لا ينقطع عن النقيق طوال الدهور، لا أحد يفهمه ولا هو أصلًا يفهم ما يقول.

عندما يهاجر اللبناني، شيءٌ واحدٌ يلفت انتباهه، ويخرجه من عقدة الكهرباء التّي يولد معها ويكبر معها ويحاول التماهي معها كي لا يُصاب بلوثتها، لا يندهش من العمران الهائل ولا من الطبيعة الخلابة ولا من مظاهر التنظيم التّي لا يشهدها في بلاده. بل تنفرش أساريره من التيار الكهربائي غير المقنّن، والذي يستطيع أن يستمر لساعاتٍ وأشهرٍ وسنينٍ دون انقطاع، لا يختفي فجأة ويغيب خلف ستارات الأيام والوعود. فلا يضيأ المصابيح ويشغّل الآلات للحظات معدودة يضطر معها بالعودة إلى وسائل بدائية، يوم كانت القناديل والشموع موضةً رائجة.

في كلّ البلاد، حتّى أتعسها حالًا تعدّ الكهرباء شيئًا مفروغًا منه، لا يحتمل أخذًا وردًّا ومشاريع وخطط، الكهرباء أمرٌ عادي ليست من المشاكل الأساسية التّي قد تعاني منها الدول، وتُصرف عليها المليارات، ويضيع بسببها أرزاق الشعب وتعطّل أشغالهم. 

لا يمكن أن ننتمي لعصر الحداثة وملف الكهرباء لدينا لا يعرف من حل، لا يمكن أن نكون ربيع العرب وليالينا مظلمةٌُ مثل شتاؤهم. الوضع لا يُسكت عنه، فمن يقطع الكهرباء عن الشعب ينير قصوره وشققه لتترائى كنجمةٍ حقيرةٍ في ظلام هذا الوطن. 

ينتابني شعورٌ من الخجل عندما أذكر أمام الآخرين أنّنا نعاني من انقطاعٍ شبه دائم للكهرباء، وإن لم يكن كذلك فمن تقنينِ كريهِ يحكمنا ويخنقنا من شدّته. تبٍّا لمن يتاجر بالظلام، تبٍّا لمن يستطيع إرضاء شعبه بإنارة مصباح. أيّ وطن ننتظر ممن يضيأ بيوته ويُظلم قلوب شعبه، أيّ وطنٍ ننتظر من حكّام لا يقدرون على إنارة 10452 كلم2 من القرى والمدن.

اللعنة على من يشتري الظلام. 

Advertisements