خذوا أكاذيبكم وارحلوا… وشكرًا

Posted on نوفمبر 28, 2011

0


الدول كالبشر، لا تختلف في انفعالتها كثيرا عن أيّ كائنٍ حي، بعض الدول متسرعة تغضب من حادث بسيط، بعضها الآخر حكيم، بعضها منافق وبعضها كاذب. تحمل الدول في جعبتها الكثير من الأسرار، لا تفضح نفسها أمام أهلها، لا تسمح للآخر أن يهتك من حرمتها، ترفض التحرك دون غطاء. لا ترغب الدول بالظهور عارية، لا تفضّل كشف عوراتها لأي عين تنظر إليها. تلبس ما تشاء من الأردية، تقف مختبأةً خلف إصبعها، لا يحاسبها أحد ولا يقف في طريقها أحد.
من لا يذكر أغنية الشكر التي وجهناها لقطر، “شكرًا، شكرًا، شكرًا يا قطر”، من لا يذكر قطر، الدولة التي عمّرت ما هدمته آلة القصف الإسرائيلية، من لا يذكر رحلة أميرها إلى الضاحية، وطائرته التي كسرت الحظر الجوي المفروض. من لا يذكر الأعلام القطرية والاستقبال المهيب للأمير البطل، فاتح عهود الانتصارات.
قطر الدولة الصغيرة التي استلمت ريادة العالم العربي. البقعة التي لم تحمل أيّ ثقلٍ تاريخي أضحت اليوم اللاعب الأساسي في سياسات المنطقة. فهي الرسول الأول لحل الأزمات، وخالقة المبادرات. تتكلم عن العروبة وعلى ظهرها تحمل أكبر قاعدة عسكرية أميركية. تتكلم عن المقاومة والممانعة من دون أن ننسى علاقاتها التجارية المفتوحة مع كيان تدّعي أنها من أعدائه.
كيف لم نعرف يومها أن الصواريخ الذكية التي دكّت قرى في الجنوب اللبناني، وأحالتها إلى كومة من غبار، لم تكن قادمة إلا من قطر. الأسلحة التي تقتل وتدمر وترتكب المجازر كانت تُحمّل يوميا من القاعدة الأميركية المتواجدة على الأراضي القطرية، في الوقت عينه كانت المساعدات القطرية تهبط زخًّا كالمطر على رؤوس اللبنانيين، تماماً كالقنابل.
من أين يأتي كل هذا النفاق السياسي، أي رغبة تسكن عقل ذلك الأمير، هل السعي لتحقيق كل المكاسب، أي الحصول على تأييد إقليمي ودعم عالمي، وامتلاك الحظوة من قبل كافة الأطراف. النفاق الذي تتعامل معه قطر، والذي ارتدت به أكثر من وجه، أصبح موضةً رائجة. صارت قطر المدافع عن شعوبٍ وحدها تكون من يقتلهم، تطالب بديموقراطية وحرية هي نفسها تفتقدها، تعاقب، تهدّد، تتلو ما يحلو لها وما يتلائم مع مصالحها دون أن يقف في وجهها أيّ قوة، الجميع طأطأ لها الرأس، استسلم لنفاقها الذي تبيعه بالأطنان.
ما الحل في ظل الغطرسة القطرية، كيف نواجه هذه السياسات الغبية. الدروب نحو الجحيم مشرّعة الأبواب، تكفي كلمة واحدة، طلقة طائشة واحدة، لتحرق المنطقة بمن فيها.
الكل يلعب على وترٍ واحد، يهيّج النفوس الجاهلة، يحقن في العقول التي هجعت أكثر من جيل، يبث كلامه المسموم دون أن يعبأ بنتائجه، لا يبحث عن وطنٍ باعه منذ سنين، لا يسأل إلّا عن رنة يصدرها أمر معلوم. من يبحث عن المشاكل، ويعشق رائحة الدم وهي تملأ الشوارع، من لا يهمه إن قتل المسلح طفلًا أو شاباً أو عجوز، من يعلم أنّ الهرب أمامه متاحٌ ومقبول، لا يهمه أيًٌا كان، أمٌّ تبكي أو وطنٌ يموت، ما يهمّه نفسه ومصالحه ومستقبله المشرق المضمون.
صغارٌ أولئك الذين يتكلمون، لا يفقهون لكلامهم من معنى، لا يعرفون أنّ البيت إذا شبّت به النار يحترق بمن فيه. من يعتقد أنّ التقسيم سهل فليسأل من ابتلي بلعنة الحرب الأهلية. أن تصبح كلمة مكتوبة على أوراقك الثبوتية دليل إدانتك، أن تُقتل برصاصة أطلقها قناص ظنًًّا منه أنك تنتمي لفريق الطرف الآخر، أن لا تعرف حاضرك من ماضيك من مستقبلك. الحرب الأهلية ليست مزحة، والعيش في كنتونات ليس بنزهة. كثيرون من يتذاكون بالحديث عن التقسيمات المقترحة، كثيرون يحلمون بمعسكراتٍ تفرّغ ما يعانونه من حقدٍ دفين متوارث، كثيرون من يرفضون فتح نوافذ نفوسهم المغلقة فلا يصل النور إليهم.
وحدهم هم الظلاميون، من يجاهرون بالتعصب والعنصرية، من يرفضون الآخر لأنه يقف في وجه مخطاطاتٍ تعود بالنفع عليهم وعلى مصالحهم. من يكفّر الآخر هو الكافر، من يرغب بالتخلّص مِن مَن يخالفونه الرأي فليغادر هذا الكوكب، فليذهب إلى خارج مجموعتنا الشمسية علّه لا يجد هنالك من يزعجه.
سياسة النفاق التي تنتهجها الدول وبعض الجماعات يجب أن تتوقف، لن نحزن إن قلتم حقيقتكم، لن نأسف إن جاهرتم بخططكم وأحلامكم، بل سنستريح من عبأكم وعبأ الانتماء إليكم.

Advertisements