السيدة من تل أبيب

Posted on نوفمبر 27, 2011

1


السيدة من تل أبيب، نعم، من عاصمة إسرائيل، هي ليست مثلك سائحة، تعود إلى الأرض بعد ثلاثة عقودٍ من الزمن، ولدت هناك وتعيش هناك، هي وكلّ عائلتها مجتمعين. ستجلس إلى جنبها في الطائرة، تلعبان معًا مسرحيةً لن تطول، تتناوبان فيها الحديث عن السلام والوئام، عن القدرة على العيش جاران متّحبان. السيدة يهودية، تحمل الجنسية الإسرائيلية، خدمت على أرضك وأنت غائبٌ عنها، تلّقت أحجارًا غزّاوية، تعرف كيف تقتل فلسطينيًا، تعرف كيف تطلق رصاصًا حيًّا، هي جندية قبل أن تكون أيّ شيءٍ آخر.

هنالك نوعٌ من الانكسار أحدثته إسرائيل لدى الكتّاب الفلسطنيين، أو ربّما تكون الحقيقة المرّة التّي تنبأنا أنّ الأوطان تختفي مع الزمن، أنّ الكبار يموتون والصغار ينسون. الوطن الحلم الذي يسكن في مخيلات ملايين اللاجئين ليس سوى خربة، مقبرةُ مفتوحةُ على مصرعيها، يتجلبب بالأسود، تستنزفه صراعات ساكينه أكثر من صراعاته مع عدّوه. صار الوطن مأساة، علامة فارقة تجبرنا على العودة إلى الماضي، تشدّنا إلى ذكرياتٍ نحاول اللحاق بها على أرضه، لكننا لا نجدها، فهي لا تلبث أن تزوي وتموت ساعة غادرناها دون أن نعود.

خيبة العودة، وغياب القدرة على التأقلم بعد انقشاع السراب. لم يعد الوطن كما كان، لم يعد يتّسع لأحلامنا، ولا يعبّر عن عواطفنا، ولا يتكلّم بلغتنا، هذه هي الحقيقة. نحاول أن نجد خيطًا يربطنا به، شيءٌ ما يقنعنا أنّ يدنا التّي امتدت لتصافح الأهل والأصحاب ليست مجرد كذبة بل حقيقة وواقع، كلّ الأمور تغيرت، من لعبت معهم في طفولتك ماتوا إمّا بثارٍ أو قصفٍ أو رصاصة طائشة. من رافقوك دربك أرخى عليهم الزمن ثقله، غيّرهم، رمى عليهم أقداره ومشى.

” السيدة من تل أبيب” رواية في رواية في رواية، أبطالها هم كتّابٌ لروايةٍ أخرى وهم ممثلون في رواية أولى. وليد دهمان، كاتب وصحافي فلسطيني، يعود إلى غزّة بعد ثمانية وثلاثين عامًا من الفراق. قضاها من بلدٍ إلى بلد، ليستقر نهائيًا في لندن ويحمل جنسيتها البريطانية. وليد دهمان، يقرّر زيارة وطنه بعد كلّ سنوات الغربة، وليضع خاتمةٍ لروايةٍ كان قد باشر في كتابتها، وتتحدث عن لاجئ فلسطيني يعود إلى بلاده ليفتّش عن حبّ كان تركه قبل أكثر من ثلاثين عام.

والرواية تحدثك عن وليد ورحلة عودته، من ساعة صعوده في الطائرة المتوجهة إلى تل أبيب، والتقائه برفيقة سفره الإسرائيلية دانا أهوفا، متحولين بذلك إلى جارين منسجمين يتشاركان تفاصيل حياتهم وأعمالهم. دانا، الممثلة الإسرائيلية المشهورة على علاقة بابن زعيم عربي كبير، والحبيبة السابقة لصديق قديم لوليد كان قد نصحه بعدم الذهاب لإسرائيل لأنّه سيقع في شرك القاتل والضحية. كلّ هذه العلاقات التي ترتبط ببعضها بخيوطٍ قدرية مخيفة تتفكك الواحدة تلو الأخرى.

وليد يلتقي بأهله بعد ساعات من التأخير على المعبر، الذي يوصلك إلى غزّة ويتّحكم به الإسرائليون بحجّة أمنهم، ليكتشف أنّ الوطن تغير. وأنّ الحياة فيه أصبحت طائشة. الكلّ يتآمر عليه، من ساكينه إلى المحتلين. لم يرَ علمًا فلسطينيًا واحدًا يرفرف على سطوح المنازل العشوائية، لكنّه وجد غابةً من الأعلام التّي ينتمي إليها كلّ واحدٍ من الأطراف. العمليات الاستشهادية ليست حلًّا لمقاومة الاحتلال، بل هي عائق تزيد من وطئة المحتل على الأبرياء. كلّ شيءٍ على هذه الأرض تغير، طعمها لونها، بساطة ناسها. يتحدّث وليد عن سلامٍ قد يجمع الشعبين، يتحدث عن جيرانٍ يهود، وأرباب عملٍ يهود، وحياةً قائمةً لا ينغصّ سيرها إلّا حماقاتٌ يقوم بها شبابٌ مندفع يظنّ أنّها قادرٌ على إرجاع البلاد وإزالة المستوطنات.

وليد فلسطيني يحمل الجنسية البريطانية، يعود إلى بريطانيا بعد زيارة قصيرة لغزّة ليجد كلّ شيءٍ أجمل ممّا كان قد تركه. يعود إلى وطنه من مكانٍ كان قد ولد فيه، من موقعٍ لم يجد فيه ذكرياته أو أيّ شيءٍ يذّكره بماضيه، ماضيه يسكن الآن ذاكرته ولا مكان آخر. البيت الذي كان يظنّه بيته أضحى بظلالٍ كثيرةٍ لم يعد يتّسع فيها حتّى لأهله.

دانا أهوفا تُقتل في لندن في ظروف غامضة . أمّا عادل البشيتي بطل الرواية الثانية فيخرج منها إلى الرواية الأولى، ليجد حبّه الضائع ويتزوّجه رغم وطأة سنين العمر والمجتمع الذي لا يرحم.

“السيدة من تل أبيب” رواية لربعي المدهون وهو كاتب وصحافي فلسطيني يقيم في لندن، يعد الكتاب روايته الأولى وقد رشّح لجائزة البوكر العربية لعام 2010.

 

Advertisements