في مديح الديكتاتور والديكتاتورية

Posted on نوفمبر 23, 2011

0


رجلٌ واحد، رجلٌ خالد. يعرف الشعب من عليه أن يحب في الديكتاتورية. يتحلّق حول رسالةٍ واحدة، ينظر إلى هدفٍ واحد، لا تهمّه حقوقه، لكنّه يعمل دائمًا على تأدية واجباته. في الديكتاتورية ينتفي الكلام إلّا عبارات ينطق بها الطاغية، تكون حكمُا منزلاُ من سابع سماء. لا أحد يُخالف، لا أحد يعارض، الكل ينفذ إرضاءً لروح الملك. في الديكتاتورية لا تسمع لكثيرٍ من الآراء، يكفيك رأي واحد تؤمن أنّه الأصوب والمؤدي حتمًا إلى أرض الخلاص. لا مكان لك في الديكتاتورية، لا مكان لأحلامك التافهة حول الحرية، لا مكان لآمالٍ تظلّ تغذي سرابًا يعتمل في عقلك. الديكتاتورية نجاة، خلاصٌ من فوضى ترافق كثرة الآراء والمعتقدات، الديكتاتورية أمان يمنحك تأكيدًا بأنّ لا شيء قد يحصل، لا شيء قد يهزّ الحصن المنيع، لا رغباتٍ تعتمل لديك للتحليق كالطير. تعلم في الديكتاتورية حدودك، تعلم أنّك إذا تجاوزتها تصدر حكمًا بالإعدام بحقّ روحك. الديكتاتور والديكتاتورية، رفيقان يسلكان درب الأمّة الواحدة، يحملان أحلام عقدوا العزم على أنّها أحلام لشعبٍ لا يرغب بأكثر من كفاف يومه ليعبد حاكميه. الديكتاتور هو من يمنح لهم سرّ الحياة وسرّ الموت، هو من يملك مفاتيح المستقبل، واستقرار الحاضر، ويملك ممحاةً تزيل آثار الماض كما لو أنّه لم يكن. الديكتاتور ذكي، يعرف كيف يتخلّص من خصومه دون أن يلوّث يديه بدمائهم، ينفيهم بحكمٍ صادرٍ من الشعب، يزيلهم من الوجود، يخفيهم ببساطةٍ دون أن يشعر أحدٌ أنّه فقد أخًا أو أبًا أو رفيق. الديكتاتورية زينةٌ يتحلّى بها الديكتاتور، يمارس بسلطتها حكمًا سيمتد قرون، لن يقبل أن يزيله أحد، سيتوارث أبنائه الحكم عنه كما تُتوارث وصفةٌ مطبخية. لا أحد يمسّ قدسية الديكتاتور الإلهية، لا أحد يجرأ على مسائلته، كلّ من يخالفه مفقود، يذوب بلحمه وعظامه دون أن يخلّف أي أثر.

ماذا بعد، وقد هددتهم بأكثر ما يخافونه، ملأت أيامهم دمًّا ولياليهم خوفًا ورعب، اعتقلتهم واحدًا واحدًا، لم تستثنٍ منهم أحدًا. نزعت أظافرهم كي لا ينسوا قسوة الحاكم وهم يرفعون قبضاتهم هاتفين بإسقاط النظام. ذوّبت أصابعهم، حتى لا تنقر أزرارًا للحواسيب تعرف أنّها تفضحك عالميًا.أردت أن تكمّ أفواههم، تمنيت في سرّك لو تختفي أصواتهم، لو تبتلعهم الأرض إلى بطنها، ولا تسمع عنهم ذكرًا. لو يمنحك التاريخ فرصةً لحمّام دمٍّ آخر. لا تبتأس فأنت تفعل ما قد يفعله أيّ طاغيةٍ آخر. لا تريد لحكمك من نهاية، تريد عرشًا وزعامة. تتذكر من سقط قبلك، تصيبك رعشةُ في قلبك خفيفة، توّد لو ينتهي كلّ هذا الأمر، لو يرحل إلى العدم من المكان الذي جأتهم لتتوّلى أمورهم. الديكتاتور مرعوب، يخاف من نهايةٍ حتمية لكلّ طواغيت العالم. يعتصر قلبه على أمجادٍ ذهبت أدراج الماضي، يحقد على حاضرٍ علّم شعبه كيف يثور ويقاوم، يكره صورًا لمستقبلٍ لا يلوح فيها رسمه معلقًا على جدران المؤسسات والمدارس والشوارع. كلّ طاغيةٍ عندما يسقط، يقول لقد قامرت حتّى النهاية، وجاء الوقت الذي أعلن فيه الخسارة، جاء الوقت لأسلّم روحي لساكني عتمة الزنازين، خفافيش الليل و الصامتين في نهاره. حان الوقت لسقوط الطاغية.

يعجز الرئيس المخلوع سريعًا، يسقط جسمه دفعةً واحدة، كما سقط اسمه. الرئيس المخلوع ينتابه اليأس وهو يرى صوره تُضرب بالأحذية، وتمرّغ تحت الأقدام. رغبةٌ في العودة قد تنتاب الرئيس بعد كمّ الفوضى التي يلحظها في البلاد. والرئيس يعلم في سرّه أن لا شيء قد يحدث، كما كان هو ديكتاتورٌ سيصعد قريبًا ديكتاتورٌ آخر. سقط الطاغية ليحيى طاغيةٌ آخر، إنّها فقط سخرية التاريخ..

Advertisements