إنّو عنجد هيني الواحد يكون لبناني

Posted on نوفمبر 22, 2011

0


أن تكون لبناني يعني أن تظلّ حبيس ماضيك، لا تقدر على إخراج رأسك للنظر إلى مستقبل يحيرك من كثرة احتمالاته. تسكن ذكرياتك كما لو كانت حاضرًا وزمنًا آتيًا، تتعشّق فيها ترفض رميها خلفك ومتابعة الطريق. يحكمك الماضي حكمًا بالسجن مؤبدًا بين أحضانه، تعلّق أبطاله على حائط عقلك وأفكارك، تستميت بالدفاع عن كلّ حادثةٍ وكلمة، تزرع في عقول أطفالك ما عشته وعانيته، تكلّمهم كما كلّمك والداك في زمنٍ مضى، عن وحوشٍ يسكنون الجهة المقابلة من الأرض، عن حصصٍ لا يجب التخلي عنها، عن تركة لوطنٍ ورثتها أبًا عن جد. مصلحتك و مصلحة أقرانك هي كلّ ما يهمك، تعلمهم أنّ الوطن شركة لا أكثر، يعيش فيها الجميع وفقًا لقانون العرض والطلب. حقّك لا تتنازل عنه، في منصبٍ أو مقعدٍ أو مركزٍ. هكذا تجري الأمور هنا، لا أكثر.

أن تكون لبناني، يعني أن يملك الأموات عليك سلطةً أكثر من الأحياء. يحكمونك من خلف نعوشهم، يحدّدون خياراتك ووجهتك وقرارتك. يملون عليك خطواتك في هذا العالم الذي لا يرحم أحدًا. تقتل من أجل موتاك، تدّمر من أجل موتاك، تملأ الأرض خرابًا من أجل موتاك. حياتك رهنٌ بين أيديهم، تعيش على دمائهم، تأكل من لحمهم لتتمدد وتكبر، لتُعلم العالم أجمع أنّك لن تنسى ولن تسامح، ولن تبيع أجساد شهدائك من دون حسابٍ أو محاسبة. موتاك خطٌ أحمر، لا أكثر…

أن تكون لبناني، يعني أن تظلّ تسأل عن مكان الدولة، عن السلطة التّي لا تراك بجوعك وفقرك، عن الدولة التّي تقطع عنك الكهرباء والمياه، وتنقلك إلى زمنٍ بدائي كنت تعيش فيه على ضوء الشمعة وتستحم تحت مزاريب الأمطار. تسأل عن الدولة التّي ترفض أن تغطيك وأنت عاجز، وترفض أن تمنحك أيّ إحساسٍ بالأمن اتّجاه الزمن القادم. تسأل عن الدولة بجامعاتها المنتهكة، ومؤسساتها العارية،  وقوانينها المخروقة حتّى من قبل واضعيها. لكنك في المقابل ترفض أن تعترف بسلك كهربائي مسروق يغذي بيتك وكل بيوت الحارة، وترفض أن تعترف أنّك أنت من يبحث عن الوساطة ليدخل ابنه في ملاك الدولة، وأنك أنت من يرفض الوقوف على إشارة السير وأنت من يرمي نفاياته على جوانب الطريق، وأنت وحدك مع غيرك من يخرق القانون تلو الآخر طمعًا في منزلٍ يُبنى على عجل خوفًا من دوريةٍ دركٍ فيها ابن عمٍ لك سيغض الطرف عنك وعن جيرانك.

أن تكون لبناني، يعني أن تنزل ظهر الأحد بعد استيقاظك من سهرةٍ حافلة. تستحم على مهلٍ وترتدي أجمل ثيابك لتنزل إلى الشارع وتلتقط الصورة تلو الأخرى، أنت ومن معك من الصبايا والشباب المطالبين بمئاتٍ من الحقوق المهدورة. تبكي وتغطي عيناك بنظاراتك الباهظة الثمن على المرأة المعنّفة التي لا يحميها قانون ولا وطن. تطالب برغيف خبز للفقراء لكن ليس لك، تطالب بفرص عمل لكن ليس لك. وعندما تشعر بحرارة الشمس تزداد عما اعتدت عليه تسارع لفض التجمع الذي جمعك أنت وأصدقائك، وتتعاهدون على إجراء مزيد من اللقاءات الشبابية المميزة كل صباح أحد، عله وعسى يصل صوتكم إلى آذان المسؤولين الغاطين في نوم عميقٍ على ما جرت عليه العادة.

أن تكون لبناني يعني أن تستسلم لتاريخك دون أيّ رغبةٍ في المقاومة، فالتاريخ معك يعيد نفسه بصورةٍ عجيبةٍ تصل إلى حدّ الاستنساخ. التاريخ معك يوقعك بحفره نفسها مرّة تلو أخرى، تعيد معه انتخاب من يعذّبك ويمارس كذبه عليك وأنت لا تنفك  تصدّق كلامه كآياتٍ مقدّسة، تحفظها عن ظهر قلب، ترددها عن غيب، تُمتحن بها وتقيّم على أساسها. ماذا ننتظر من تاريخٍ مزوّر، متى تنوي كشف زيف الشخصيات واللاعبين أدوار البطولة في المسرحيات.

مأساة اللبناني تكمن في ماضيه من اليوم الذي قررت فيه يدٌ أن تكتب الأحداث وفقًا لتراتبيةٍ طائفية. مأساة اللبناني تكمن في نفسه، من اليوم الذي قرّر فيه تسليم زمام أموره لجماعة من المخربين، أصحاب المصالح ورؤوس الأموال.

الاستقلال ليس اليوم، العيد سيكون في اللحظة التي يستعيد فيها اللبناني سلطة قراره المسروق، في اللحظة التّي يعترف فيها أنّ الطائفية نخرته إلى العظم وبأنّه راغبٌ بكلّ ما لديه من قوة ببناء دولة. الاستقلال يكون يوم نقرّر أن نتخلّى عن الطبقة السياسية الفاسدة التي حكمتنا في الحرب وفي السلم، يوم نقرر أن نتخلى عن الرجال الذين ارتدوا بزّات حربٍ طائفية وزرعوا في العقول المناطقية، وأسسوا مفهوم المحاصصة والمحسوبية. لبنان لم يستقل بعد، مازال كلّ فريقٍ مستعمرٌ من جهات خارجية، مازالت القرارات تنفّذ بناءًا على رغبات غير محلية.

الاستقلال يكون في اليوم الذي يرفض فيه اللبناني نفسه أيّ شكلٍ من أشكال التدخل الخارجي، والوصاية الأجنبية، ويعتمد على إصلاح هذه الأرض لتستحقّ صفة الوطن. وساعة يأتي هذا اليوم سيصحّ القول “إنّو مش هيني تكون لبناني” أمّا اليوم فأنا أعتقد “إنّو هيني كتير الواحد يكون لبناني”. 

 

Advertisements