رغبة بانتهاء العالم

Posted on نوفمبر 20, 2011

2


لن أقول أنّ نيزكًا سيضرب الأرض ليحيلها إلى ذرّاتٍ من غبار، ولن أقول أنّ الزلازل والبراكين والفيضانات وكلّ مظاهر غضب الطبيعة ستعمّ البلاد لتخفيها وتغرقها، ولن أقول أنّنا سنضمحّل في بقعةٍ سوداء حذرّنا منها العلماء، ولن أتّحدث عن انتهاء رزنامة شعوب المايا ومعها ينتهي عمر الكون. لكن على هذا العالم أن ينتهي، مشاكله معقّدة لا تجد لها من حل، موازينه مقلوبة تعبث فيها أيدٍ خفية نعتقد أننا على دراية بها، وإذ بها تسيرنا وفقا لخططها ومصالحها.
هذا العالم يجب أن ينتهي، انتهت صلاحيته من اليوم الذي فضّل فيه الأرباب رنة الذهب على ارواح العباد. من اليوم الذي تكدس فيه السلاح كما لو كان حفنة من طعام. ليس مضحكا ما يجري، جنون العصر وكل من فيه. العالم لم يعد يتسع لكل تلك الأحلام والمطامع، ضاق ذرعا بآمال الفقراء ومصالح الكبار وهلوسات النضال.
لا بد لهذا العالم ان ينتهي، فالبشرية فقدت قدرتها على الاستمرار، صار الموت مطلوبا أكثر من الحياة، صار الموت مرغوبا أكثر، مريحا أكثر، لا يمل أخذ الساكنين وهم الى ازدياد. نقطة اللاعودة في الزمن قد وصلنا اليها، مكانٌ أقرب للجحيم هو ما نعيش فيه، لا شيء يحكمه غير قوة قاطنيه، وقدرتهم على البقاء أحياء بين أكوام من الجثث الهامدة.
رائحة العفن تفوح من الارض، أنفاس كريهة تشق غبار الكون متطايرة في الفضاءات الواسعة، لو كان هنالك من مخلوقات أخرى معنا لقضوا من نتانة أنفاسنا. رائحة من يقضم اللحم البشري دون رحمة، رائحة الوحشية والحيوانية البعيدة عن أي رأفة. العالم يلفظ أنفاسه الأخيرة من عمر الإنسانية ويدخل عصرا جديدًا من القسوة الجليدية.
ليس مضحكا كل ما يجري، علياء خلعت ثيابها وانتهى الامر، هذا هو حدود الفعل، ليس المطلوب منا أن نؤيد أو نعارض، لم تهن أحدا بل أظهرت جسدها مكشوفا لكل عين، لا داعي للدخول في جدال بيزنطي حول الحرية وحدودها، لا داعي لاتهام بعضنا بالتخلف والرجعية، لا داعي للانشغال بتعريف الحرية.
تضخمت حادثة علياء لدرجة غير محمولة تحولت فيها تلك الفتاة الى إيقونة إن كان للانحلال أو للجرأة. هذا هو حد الموضوع، من خلع ثيابه ظهر عاريا وانتهى الامر. لنتابع.
مشكلة العربي تكمن في وقوفه مطولا على الاطلال، في انشغاله بمحيط الأمور دون العبور الى جوهرها. مشكلة العربي تكمن في غياب قدرته على تحديد مشكلته بحد ذاتها. فهو لا يعرف مما يشكو رغم انه يشعر بأعراض كثيرة. هل يشكو من التدخل الخارجي، وطمع الآخر في ثروات بلاده، هل يشكو من الدين الذي يعتنقه ويسيطر على كافة مظاهر حياته، هل يشكو من الحاكم وتسلطه وطغيانه، هل يشكو من الخوف والفزع على الرغيف الذي غدى فزاعة العصر الجديد.
للأسف يشكو العربي من كل هؤلاء، لكن أزمته الكبرى تكمن في اضمحلال الوعي، الطامة الكبرى التي يجب مراعاتها هو غياب الوعي والإدراك عن الفئة التي تعد عجلة المجتمع والشريحة الأوسع التي تضمن قيامه. العربي يشكو من الجهل من ماضيه كما حاضره، يسلم نفسه للقدر كسفينة تعبث بها الريح ولا تلبث ان تقلبها وتغرقها. العربي في هذا العالم هو السفينة بدل ان يكون ربانها، هو ألواح الخشب بدل ان يكون قائد المركب. هل العربي انسان فاشل، قطعا لا، لكن العربي انسان لا يدرك كنهه، يضيع في بضع قطرات من الماء، يذهب عقله بتحليلات يقنعه بها من يملكون السلطة عليه، يزرعون أرضه الخصبة خوفا، يغذونه رعبا، وهو يتكفل بالباقي، بالتزام الحائط طلبا السترة، بطأطأة الرأس اتقاء من حلم هابط عليه من السماء.
ليس مضحكا كل ما يجري على الساحة، الرؤية بعين واحدة، رغبة في إحراق البلاد بمن فيها لأنها رفضت الانصياع، دولة صغيرة تلعب دور قاض، تتحدث بالحرية والديموقراطية وهي أبعد ما يكون عنها. ليس مضحكا تقاتل الزعامات وتدني مستوى الأخلاقيات، واللعب على حبال العنصرية، وتسعير الخلافات الطائفية، وتقسيم الأوطان الى دويلات مذهبية. ليس مضحكا تحكم الآخرين بمصيرنا وتلاعب الكبار بعقولنا. ليس مضحكا ان يتفاخر ديكتاتور على ديكتاتور بالدكتاتورية، وان يناقش عميل بالوطنية، وان يطالب مجرم بالعدالة.
العالم ينحدر نحو الهاوية وكلما ازددنا انحدارا تسارعت خطواتنا للدخول في ذلك العالم السفلي. لن تمتد يد لانتشالنا، وسنلازم مكاننا متمنين لو كان العالم في زمن مضى قد دق ناقوس القيامة.

Advertisements
Posted in: عشوائيات