“إسراء سلهب vs عالية المهدي” الحرية وحدها هي العارية

Posted on نوفمبر 17, 2011

1


قد لا يعرف الكثيرون إسراء سلهب، لكنّ الكثيرين بالتأكيد سيحدثونك عن عالية المهدي. إسراء وعالية صحافيتان، تقدّم الأولى برنامجًا على قناة القدس، أمّا الأخيرة فهي صحافية وناشطة في حركة 6 أبريل المصرية.

إسراء صحافية فلسطينية تقدّم برنامج “أحرار” على قناة القدس، ألقي القبض عليها في منزلها من قبل القوات الإسرائيلية، واحتجزت على ذمة التحقيق. إسراء سلهب متأهلة من زوجٍ يسكن أيضًا خلف القضبان، وهي أمٌّ لطفلتين. إسراء اعتقلت البارحة، أخذت من منزلها، دون أن يقدر أحدٌ على ردع جنود احتلالٍ قساة، لا يفقهون معنى لكلمة حرية، يعيثون على أرضٍ يوقنون أنّها أرضهم.  يبطشون، يقتلون، يأسرون، من دون أن يجرأ أحدٌ في هذا العالم على التنديد بهم أو رفع الصوت مطالبًا بحقوقهم.

لم يشاهد أحدٌ صور إسراء، لم يخدش الأمر حيائنا الإنساني، فالفلسطينيون لم يعودوا في وعينا كائناتٍ من لحمٍ ودم، صاروا أقرب إلى صور لرسومٍ متحركة. لا أحد يعلم ما هي تهمة إسراء، هل هي قدرتها على نقل أخبار من يحتجزهم الوحش الصهيوني خلف القضبان، هل تأييدها لحركاتٍ تدعو للمقاومة قد يكون السبب، هل مطالبتها بالإفراج عن زوجها وكلّ أسيرٍ وأسيرة فلسطينية قد يكون ما دفعهم إلى اعتقالها.

لم يتحدّث بإسراء سلهب أحد، فقط دائرتها الإعلامية الضيقة، لم يصدر احتجاجٌ من الصحافيين العرب فالأمر بات أكثر من اعتيادي، أصلًا هو غير اعتيادي إن لم تقم إسرائيل بفعل الاعتقال. لم يظهر أيّ تنديد، لم نسمع ضجيجًا يتحدث عن الحرية التّي تطالب بها إسراء، عن تفانيها في الدفاع عن قضيةٍ تُنتسى ووطنٍ يموت.

إسراء كانت تتكلم عن الحرية، عن القدرة على العيش تحت وطأة أقسى الظروف، تبحث عن ثقافة الحياة، تمد يدًا يتيمةُ نحو زنازين مظلمة تخترقها أنّاةٌ لصغار صاروا رجالًا، لأطفالٍ ونساء، يدًا يتيمةً تمدها إسراء لشعبٍ لم يملّ الحلم، لناسٍ ما يزالون يحدثونك عن الدولة والوطن، يخبّأون مفاتيح بيوتهم تحت وسائدهم ويحلمون بالعودة.

الحرية هي ما عرفتها إسراء، حرية أن تحلّق روحك بعيدًا عن جسدٍ أطفأه السجّان. الحرية هي ما عرفتها إسراء، حرية أن تبقى واقفًا في عالمٍ يدهسك دون أن ينتبه، عالمٌ لا يعرف الفرق بين المحبّة بدفئها وبين القسوة بصقيعها. عندما اعتقلت إسراء كانت ترتدي كامل ملابسها، وقفت بين جلّاديها بقوّةٍ وعنفوان، كانت حرّة وهي مقيّدة اليدين، كانت تشعّ حرية، وحدها إسراء ومعها من يشبهها يعرفون بالتأكيد طعم الحرية.

إسراء لا تعرف عالية، ولا أظنّ أنّ عالية تعرف إسراء. ربّما لو تأخر الجنود قليلًا لكان من سخافة عالمنا أن تعرّفت إسراء على عالية. عالية المهدي، اسمٌ لن يمحَ بسهولةٍ من ذاكرة الجيل العربي. ستظلّ نقطة جدلٍ بين الخطأ والصواب، بين الجسد والروح. عالية المهدي ظهرت بعريها على صفحة مدونتها دفاعًا عن حريةٍ تؤمن بها وعن عقدٍ ترغب في حلّها.

ما يقتلني في هذا العالم هو حرية الرأي والتعبير، يرسم أحدهم رسمًا كاريكاتوريًا يهين به مليارًا من البشر ولا يحقّ لأحدٍ أن يتصدّى له لأنّ ذلك يقع تحت حريته الخاصة في الرأي والتعبير. ما نفتقده في أيامنا هذه هو الإدراك، قدرتنا على معرفة الصواب من الخطأ. أيّ حريةٍ تلك التّي تبحث عنها عالية، أيّ مجتمعٍ نرغب في بناءه. العالم يتّجه نحو الحيوانية، لا شيء بقي ليميزنا عن غيرنا من الكائنات الحيّة. أيّ مجتمعٍ نبني إن كنّا لا ندرك الفرق بين حريةٍ بقدسيتها وإباحية بهمجيتها.

نحن نبحث عن الحرية، عن شيءٍ يعيد لنا الإحساس بإنسانيتنا، صور الفتيات العاريات تعجّ بها الشبكة العنكبوتية، والمدونة التّي زارها بالأمس أكثر من مليون زائر ليشهدوا بأعينهم صورًا غبيةً لا ثائرة، لا تنقذ مصر من محنتها، ولا توقف حكم العسكر، بل تزيد من تشتّت الثورة وأبنائها بين مؤيد لحرية التعبير ورافضٍ لإباحيتها.

و للأسف سنظلّ نذكر صور عالية المهدي وقد ننسى إسراء سلهب. كلتاهما تبحثان عن الحرية، وفي أعماق نفوسنا نعرف أين تقطن حريتنا.

الحرية ليست جسدًا، ولا تسكن في حدودٍ من لحمٍ ودم. ماذا نالت عالية المهدي من نشرها لصورها عارية غير سيلٍ من العيون المتلهفة لرؤية جسدٍ ماديّ عارٍ. عالية المهدي ليست ملحدة، لكنّها أخطئت في التعبير عن حريتها، ربّما كانت تريد انتقامًا من مجتمعٍ تراه يُثقل من ارتداء ثيابه، ربّما كانت تبحث عن خفّة، قد يجد بعضهم في عملها جرأة وآخرون قد يرون فيه عهرًا، لكنّه بالتأكيد ليس بطولة.

ما بين إسراء وعالية نرى حريةً، ما بين إسراء وعالية نعرف أنّ الحرية ليست إباحية، ندرك أنّ ما نبحث عنه ليس سرابًا. الحرية لا تسكن الجسد، الحرية في الروح، الحرية في الفكر الذي يبني جيلًا، الحرية في وطنٍ يحمي شعبًا. الحرية حياة، الحرية تقدّم، ليس هنالك أبسط من أن يتعرّى الإنسان، ليس هنالك معنى في أجسادٍ مكشوفة، وحدها الروح إذا تعرّت من شوائبها استطاعت أن تدرك الحرية، وحدها الروح إذا سمت دخلنا عالمًا يستحقّ أن نعيش فيه.

لتتعرّى أرواحنا قبل أجسادنا بحثًا عن الحرية…

Advertisements