مش منطقتك!!

Posted on أكتوبر 30, 2011

2


سأعترف، لن أذهب إلى هناك لأنّ المكان يقع خارج حدود منطقتي، سأبرّر لنفسي ما أشاء من الحجج، فالموقع بعيد والمواصلات مرهقة ولن أقطع كلّ تلك المسافة من أجل فرصةٍ تبدو للبعض لا منطقية. سأحاول أن أصدّق أن ما أفعله مبني على فرضياتٍ واقعية. لن أقول أنّني لن أذهب، لأنّ المنطقة هناك منطقةٌ مسيحية، ولأنّ من يسكنونها سيرون فيّ منظرًا لكائنٍ فضائي هبط عليهم من سماء يخشونها، وأنا سأرى فيهم أناسًا غرباء.

المنطقة ليست منطقتي، لن أتجوّل فيها بحريةٍ ولا براحة، ستصيبني نظرات الأعين من شتّى الجهات، سأشعر بغربةٍ تصيب من يترك أهله ليهاجر إلى بلادٍ لا يفقه ناسها ولغتها. ذلك المكان ليس لي، أنا لا أنتمي إليه، عندما أفكّر به أجد نفسي في خضّم حلمٍ مزعج، قد يكون أقرب للكابوس. أعرف أنّ أحدًا لن يعتدي علي، أعرف أنّ شيئًا لن يصل إلى مسمعي، لكننّي أستطيع أن أشعر وأتلمس صوتًا خافتًا يكرّر، المنطقة مش منطقتك، غادري الآن.

أنا لا أنتمي إلى الوطن، الانتماء إحساسٌ يشعرك بالراحة، يخبرك أنّ الأرض لك، وأنّك مرّحبٌ بك عليها. تتجوّل فيها وأنت تعلم أنّ الجميع أهلك، ترى في أعينهم إحساسًا داخليًا بالمحبة، يسري في عروقك شعورٌ دافئ يخبرك أنّك لست غريب، أنّك واحدٌ منهم، لن يرميك أحدٌ بنظرةٍ قاسية، سيمدّ لك الجميع يد العون، سترى فيهم أهلك وأحبائك، سترى في الأرض وطنًا يمتد ليجمع بين أبنائه، لن تشعر بالغربة في الانتماء، لن تشعر بالصقيع.

اختفى الوطن، صارت الأرض عبارة عن مناطق، تجمع على سطحها ناسًا يتشاركون صفةً ما، مسلمين أو مسيحيين، شيعةً أو سنّة. سينتابك شعورٌ بالغربة إذا غادرت حدود منطقتك، سيجتاحك القلق من إهانةٍ إلى أن تعود إلى ربوع عالمك، حيث يعيش ناسٌ ينتمون إلى نفس الفصيلة. لن تغادر منطقتك بسهولة من يتنقّل في وطنه، ستشعر بأنّك تغادر من دولةٍ إلى دولة، قد تحتاج جواز سفرك لتثبت شرعية ما تفعله.

الوطن مناطق، لم يخط أحدٌ حدودها لكنّ الجميع دون استثناءٍ رسمها في قلبه، كلّنا يحمل تلك الخطوط، تزداد تعمقًّا كلمّا ازددنا تقوقعًا في مناطقنا، تحفر في داخلنا، نربّي أطفالنا عليها، فمن يعيش خارج منطقتنا لا ينتمون إلينا ولا يجمعنا معهم شيئٌ، من يعيش خارج منطقتنا قد يتحوّل ببساطة كلمةٍ إلى عدو، قد نهرق دماه، قد تشتعل بننا وبينهم حربٌ شعواء.

لا وطن في بلادي، لا وطن، الوطن مناطق، تملأنا خوفًا من آخر، ترعبنا، كلٌّ فليبقى في منطقته، لا يخرج من حدودٍ رسمها هو أو أسلافه، وبقيت قائمةً لن تعرف زوالًا مادام الخارج من منطقتي وطنٌ آخر.

لن أذهب، ها أنا أقولها، قد تكون فرصتي الوحيدة، لكنّني سأضحي بها على مذبح المنطقة، التّي هي مش منطقتي.

Advertisements