وأطلقوا النار على القذافي

Posted on أكتوبر 20, 2011

0


من تحت الأرض خرج القذافي، غارقًا بدماه. لا تطلقوا النار، لا تطلقوا النار، كانت تلك كلماته الأخيرة التّي سيسمع العالم صداها. الرجل المحيّر ذو المواقف الغريبة، الّذي كتب قوانين بلاده بشذراتٍ من أفكاره وحكم على شعبه بهلوساته. الرجل الذي أرعب العالم بعمليات إرهابيةٍ لا تحدّث إلّا في السماء، ولا يدفع ثمنها غير المواطنين والبلاد التّي اختنقت تحت الحصار. الرئيس الذي خطف وهدّد ورمى بالوعيد أعتى الدول، والذي احتار فيه أصدقاؤه قبل أعداءه. ملك الملوك الذي يسكن الخيمة، وحرّاسه الشخصيون  مجموعةٌ من النساء، يحيطون به من كلّ جانب. معمّر القذافي صاحب الصورة النمطية للحاكم العربي، المتبجّح، المسرف، الفاسد، من يصرف مليارات الدولارات من خزينةٍ لدولةٍ، يرى في نفسه عمادها، على حفلات لمغنين أجانب، وينام شعبه على بطنٍ خاوية.

معمّر القذافي الذي هدّد بإحراق بلاده، وبإشعال النار فيها لتأتي عليه وعلى من فيها، أصبح الآن في عداد الأموات. حارب مواطنيه بكلّ ما أوتي من حديد ونار، أغرقهم كما وعد بالدماء، جرف الشعب إلى شفا حربٍ أهليةٍ لا يُعلم لها مسار. الرجل الذي هدّد كلّ من يخالفه برميه بالإعدام، لم يستوعب صرخاتٍ انطلقت من بنغازي تطالب بإسقاطه، ثار على الثورة كالمجنون، كمن فقد السيطرة المحكمة في عقر داره، لم يأبه بأحد، لا بحجّة إنسانية ولا بمناشداتٍ دولية، رفض كلام الكلّ واستمر في القتال، أعلنها حربًا مفتوحة لا تنتهي إلّا بالنصر أو الشهادة.

معمّر الذي خاف أن تهدم كرسيه كما حصل مع أقرانه، من بن علي إلى مبارك، هدم بلاده. رفض أن تكون ليبيا مثل تونس أو مصر، فليبيا هي ليبيا معمر، ليبيا ملك ملوك أفريقيا. لن يأخذ أحدٌ منه لقب الرئاسة. حشد الجند وأعدّ العدّة، كال كلّ التهم للثورة، جعل الثّوار جراثيم وجرذان، هوّل بالقاعدة وبفلول أسامة بن لادن، حاول إقناع العالم أنّ الوضع في ليبيا تحت السيطرة لكن محاولاته باءت بالفشل. فالثورة راحت تنتقل كالعدوى، وبدأت المدن تتهاوى، سقطت واحدةً واحدة، مرةً بيد الثوّار وأخرى بيد الأنصار، وهنا صدرت صرخة وصلت بهو الأمم المتحدة، وجاء قرارٌ بتدخل عسكريٍّ خارجي في قلب ليبيا.

القذافي مات، ولوحة العراق تلوح لليبيا في الآفاق. كابوس الحرب الأهلية، والصدامات العشائرية، والتبعية الخارجية، والتطبيع الصهيوني، والتفجيرات المتنقلة، ونهر السلاح الذي تدفق إلى البلاد دون رقابة. ليبيا في قلب النفق الآن، مات الديكتاتور لكن نظامه مازال يحمل في قلبه بعض النبض، هل تصبح ليبيا عراقًا آخر، يتناهش خيراتها كلّ طامعٍ من أهل البلاد أو من خارجها. لا أحد يعلم، الصورة ضبابية لا توحي بالثّقة، فالمجلس الانتقالي الذي نال شرعيته من قبل معظم الدول تفوح منه رائحةٌُ أقرب للخيانة وعناصر الناتو لم تعد جدولًا للانسحاب قبل دخولها في المأزق الليبي. والخوف على المصالح هو ما يحركها. كلّ شيءٍ مبهم في ليبيا، يحتاج مزيدًا من الوقت.

القذافي مات، وتأكّد بموته أنّ طريق الألف ميل نحو بناء الدولة قد بدأ. الخراب الذي خلّفته المعارك، أعداد الضحايا، وحجم الخسائر، وجموع الشباب الذي ترك أعماله ومستقبله في وقفةٍ مع الثّورة يجب أن يعود الآن، من خلف متاريس المعارك، ليلملم السلاح والرصّاص من الشوارع. الحياة في ليبيا يجب أن تعود إلى مجاريها، لتستكمل الثّورة انتصاراتها، القذافي لم ينل أكثر من جزائه، موته وفّر على الشعب معمعة المحاكمة.

قد تحدث الفوضى، لابأس، المهم أن لا تُفقد زمام السيطرة، المهم أن لا يظلّ السلاح مشرّعًا في كل اتّجاه. لا عودة إلى الوراء، لا عودة إلى ديكتاتوريّةٍ أخرى ترمي بظلالها على البلاد، من حقّ الكلّ أن يحلم بالثورة تُزهر بعد شهورٍ من الجفاف. ليبيا لم تقع في فخّ الحرب الأهلية يوم راهن الجميع على فشل الثّورة فيها، ظلّت تناضل رافضةً مخطّطات التقسيم. ليبيا دفنت ضحاياها، وغدًا قد تهيل التراب على جسد رئيسها، لكنّها لن تنحني، ستظلّ تمشي، وتمشي، لترسم بدماء أهلها صورةً قد تكون أفضل ممّا جال في خاطرها ذات يومٍ ثوريٍ أحمرٍ قاني.

Advertisements