فالس الوداع

Posted on أكتوبر 17, 2011

0


من قال أنّ المجرم شخصٌ لا ينتمي إلى عالمنا العادي، من قال بأنّ عليه أن يخطّط ويدرس ويحلّل كلّ الاحتمالات قبل أن يرتكب جريمته. الجريمة هنا عفوية، والشخصية أصبحت قاتلًا عن غير قصد، هكذا، كإرادة إلهية، كمخططٍّ وضع بأيدٍ سماوية، لم يقصد أن يعطي ضحيته السّم، أصلًا هو لم يرَ فيها روح الضحية، كلّ ما في الأمر أنّها ماتت بخطأٍ لم يستطع تداركه.

القاتل بينهم، لكنّ أحدًا لن يعرفه، سيتوارى بعيدًا عن براثن العدالة، سيترك ساحة جريمته ولن يعود كما تعوّدنا في عالم القتل. القاتل لن يلتفت إلى الوراء ليرى إن كان قد خلّف أثرًا أو دليلًا، لن يعود ليتأكد من أنّ ضحيته قد لفظت أنفاسها، سيمشي ويمشي بعيدًا لا أكثر.

تتقاطع خيوط الرواية، تختلط حيوات أبطالها، نرى فيها المرأة الجميلة التّي تقاتل للخروج من مكانٍ علقت به منذ ولادتها، نرى النجم المفتون بقدرته على اجتذاب الجنس الآخر، نرى الرجل الذي يظنّ نفسه مرسلًا لله على أرضه، نرى الطبيب الذي يجرّب بالبشر أفكاره ومعتقداته، نرى العاشق اللاهث وراء حبّ من سراب، نرى الفتاة التّي لفظتها الحياة وعاقبتها على خطإٍ اقترفه أبوها، نرى من يُفتتن في تأدية دور المنقذ. كلّ هؤلاء نراهم بين دفتي الكتاب، نسمع لمخاوفهم، نؤمن بكلماتهم، ونلحظ تخبطهم.

تمتد الرواية على مساحة خمسة أيام، بصباحها ومسائها، نرافق شخصيّاتها وهي تؤدي ما كُتب لها من دور. روزينا التّي تعمل في حمّامات المياه الساخنة والمستخدمة لمعالجة النسوة العاقرات. الفتاة الجميلة التّي ترغب بقوّة الخروج من المكان الذي تعيش فيه، وباكتشاف العالم الآخر، الخارج، المربوط بكلّ الأحلام التّي تخطر على بال الأنثى، ولا تجد طريقة لذلك غير اتّهام عازف الترومبيت الشهير،الذي زار مدينتها لمدة يومين، بجعلها حامل.

يرفض عازف الترومبيت تصديق الاتّهام، ويحاول إقناع روزينا بالمثول أمام لجنة الإجهاض لإسقاط حملها. ولفعل ذلك يضطر إلى زيارة مدينة المياه، وتنظيم حفلة عزف مع الطبيب سكريتا المسؤوول عن لجنة الإجهاض. ترى روزينا في حملها نقطة قوة، وحجّة للحصول على ما تريد. يبرز هنا جاكوب، وهو شخصية نعرف أنّها اضطهدت من قبل الحزب الحاكم، نرى فيه شخصيةً مثقفة، سامية، وعطوفة. فجاكوب يمارس دور الأبوة على ابنة رفيقٍ في الحزب كان قد قُتل في السجن بيد من وضعهم فيه. جاكوب هذا يملك السر، فهو يؤمن أنّ مصيره بيديه، يستطيع أن يموت في الوقت الذي يختاره، عبر ابتلاعه حبّة سمّ كان الدكتور سكريتا قد أعطاه إياها لدفعه على الاستمرار بحياته. يأتي جاكوب إلى مدينة المياه لزيارةٍ وداعية أخيرة، فهو يريد أن يترك البلد الذي ظلّ يرفضه. هذا البلد الذي لن يؤمن بأنّه وطنه إلّا في اللحظة التّي يدير بها إليه ظهره.

حبّة السم تلك، ذات اللون الأزرق. ستصل إلى أنبوب من الدواء المهدّأ تتناوله روزينا كلّما شعرت بالضيق والغضب من الظروف المحيطة. جاكوب، الإنسان الوديع سيتحوّل إلى مجرمٍ بين ليلةٍ وضحاها. لن يقدر على انتزاع السم من الأنبوب، حتّى أنّه لن يحاول. سيُقنع نفسه أنّها مشيئةٌ لإلاهٍ لا يؤمن به. جاكوب سيترك المدينة دون ان يفعل شيء لإيقاف الموت المحتّم. وفي صبيحة اليوم الخامس، بينما روزينا تتشاجر مع عشيقها السري الذي هو الوالد الحقيقي للطفل، وترفض روزينا الاعتراف به لأنّه لا يليق بها، ستصل حبّة السمّ إلى فمها، وستبتلعها، لتسقط جثّةً هامدةً على الأرض، وسوف يعتبر الأمر مجرد قضية انتحارٍ لفتاةٍ قررت إنهاء حياتها دون سببٍ ظاهرٍ أو معلن. ولن يحاول أحدٌ التحقيق بالامر، لأنّ جميع المشتبه بهم يملكون حجّة براءة قوية، إلّا القاتل الحقيقي الذي كان قد أصبح خارج البلاد ساعة سقطت روزينا أرضًا.

روايةٌ أخرى ذات نفسٍ إبداعي لميلان كونديرا. لن تستطيع تجاوزها بسهولةٍ لحبكة القدر التّي رسمت فيها. فمعظم الناس يتحركون في دائرةٍ مثالية، يعيشون في أرضٍ مُسالمة، لكن يكفي في الوقت نفسه إخراجهم من تلك الأرض الهادئة ويصبحون قتلة دون أن يعرفوا كيف. هناك اختباراتٌ وإغراءات لا تخضع لها الإنسانية إلّا بفواصل متباعدة من التاريخ. ولا أحد يصمد أمامها، لكن الكلام عنها عبثٌ تمامًا.

ميلان كونديرا كاتب وفيلسوف تشيكي ولد عام 1929، له العديد من الروايات المشهورة عالميًا ومنها الحياة هي في مكان آخر، والمزحة، وخفّة الكائن التي لا تحتمل.

Advertisements