الجزيرة في الميزان، رؤى نقدية في أداء قناة الجزيرة

Posted on أكتوبر 16, 2011

1


الجزيرة في الميزان

رؤى نقدية في أداء قناة الجزيرة الإعلامي

مقدمة عامة:

انطلقت “الجزيرة” في بثّها بوصفها قناةً فضائية للأنباء العرية والشؤون الجارية، لتتوسع بعد ذلك وتحت الاسم نفسه بعدد المنافذ الإعلامية على صعيد القنوات المتخصّصة والمواقع الإلكترونية وتتحول إلى شبكة إعلامية كبرى لها وزنها على الساحة الإعلامية العربية والدولية على حدٍّ سواء.

ويتناول البحث هنا  الجزيرة: القناة الإخبارية العربية، ومقرّها في الدوحة، قطر، حيث انطلق بثّها عام 1996، وتعدّ جزءًا من شبكة الجزيرة الإعلامية.

تزامن إنشاء الجزيرة مع إغلاق القسم العربي لتلفزيون هيئة الإذاعة البريطانية (المنشأة بالاشتراك مع السعودية) في نيسان/ أبريل 1996، بعد سنتين من قيامها بسبب الرقابة التّي طالبت بها المملكة العربية السعودية، فانضّم إلى القناة معظم الكوادر الإعلامية التّي تتميز باحترافية عالية في مجال العمل الصحافي ما أمّن للجزيرة طاقم عمل على مستوى عالٍ من الحرفية والتميّز.

لمع اسم الجزيرة عقب أحداث 11 أيلول\ سبتمبر 2001، فقد كانت القناة الوحيدة التّي غطّت الحرب على أفغانستان مباشرةً من مكتبها هناك، وبثّت على شاشتها شرائط فيديو للعديد من رجالات القاعدة وعلى رأسهم زعيمها أسامة بن لادن. ما أثار حولها علامات استفهام تتمحوّر حول حقيقة العلاقة التّي تربطها بتنظيم القاعدة والجماعات الأصولية لتكون القناة الحظوة التّي تصلها بالعالم الخارجي.

كما وتحتلّ الجزيرة مكانة مميزة على الصعيد العالمي، ويُنظر إليها كمصدر موثوق للمعلومات أكثر من باقي القنوات المحلية والعالمية على حدٍّ سواء.

وتحت شعارها ” الرأي والرأي الآخر” استطاعت الجزيرة أن تخرق حاجز الصمت العربي حول العديد من القضايا الساخنة في المنطقة. وأحدثت برامجها المتنوعة ضجّةً قويةً في بعض البلدان العربية، باتت معه الخيار الأول للمشاهد العربي والعدو الّلدود لأنظمتها الحاكمة.

أثارت الجزيرة الجدل في العديد من المناسبات. ليس آخرها تغطيتها الإخبارية للثّورات العربية، واتّهمت بإحداث البلبلة  في شؤون ومواضيع داخلية، وبتقليب الرأي العام على السياسات المتّبعة في المنطقة.

هذا وتحتلّ القضية الفلسطينية حيّزًا مهمًّا في مساحاتها الأخبارية، حيث أسسّت شبكة واسعة من المراسلين في فلسطين المحتلة، من غزّة إلى الضّفة الغربية والقدس. لقد غطّت الجزيرة أخبار الانتفاضة، والهجوم الإسرائيلي على غزّة، وشارك طاقمها في عملية كسر الحصار للقطاع على متن أسطول “الحرية1″، ما أدّى إلى تعرضهم للاعتقال. وقد أحدث كشفها لوثائق التفاوض الفلسطينية الإسرائيلية هزّة كبرى في الوضع الفلسطيني وفي مسار عملية السلام الفلسطينية الإسرائيليّة، وساهم في توسيع الشرخ الفاصل ما بين الحكومة والشعب. وبالرغم من هذا لم تمتنع الجزيرة عن استضافة أيّ من رجالات إسرائيل على شاشتها، ولم تسلك منحى المقاطعة أسوةً بغيرها من قنوات الإعلام العربي.

قدّمت الجزيرة أكثر من شهيد على المذبح الإعلامي (طارق أيوب2003، وعلي جابر 2011)، واعتقل مراسلوها بتهمة التحريض على الإرهاب والتعاون مع تنظيم القاعدة (تيسير العلوني وسامي الحاج).

وفي بدايات زمن الربيع العربي سطع نجم الجزيرة، لتثبت حرفيتها على الصعيد المهني بشكلٍ جعلها تتربع على عرش إعلامه.

كانت الجزيرة كالأمّ الشرعية للثّورة يوم انطلقت شرارتها في تونس ومن ثمّ مصر. احتضنتها منذ ولادتها، جاهدت لإسماع صوتها، لإحاطتها من كل جانب وإيصالها إلى العالم أجمع. لم يثنيها إيقاف بثّها على النايل سات. لم يردعها حبس مراسليها. فهي كانت هناك في قلب الحدث، يحمل كاميراتها كلّ مواطن يتطّلع إلى الحرية وإسقاط النظام.

أمام أداء الجزيرة في تغطية الثورة تسقط الكلمات، فهي وحدها كانت القناة العربية التّي رُفعت لها اليافطات في ميدان التحرير، والقناة الوحيدة التّي حيّتها الجماهير.

كانت الصّوت الذي ما انطفأ، لكنه للأسف قد خاب. فبعد تربعها على القمّة، بدأت الجزيرة بسلوك درب الانحدار، وُضِعت فيه مصداقيتها على المحك. حيث ظهرت العديد من الدلائل التّي تشير إلى تلفيق بعض الأحداث، والسعي إلى التحريض. كما أنّها مارست التعتيم الإعلامي بحقّ الثّورة في البحرين، وفقًا لخطوطٍ حمراء التزمت بها ولم تتجاوزها.

كان الكلّ يرى فيها خطوة جبّارة نحو الإعلام الحديث، لكنّها سقطت، وكان لسقوطها الوقع المدوّي، انتهجت سياسة تبدو مصّغرةً عمّا أعدّ لبلاد الثّورات، قليلٌ من الحرية، قليلٌ من الديموقراطية، وكثيرٌ من كلام الكذب والنفاق.

وقعت الجزيرة في فخّ شعارها، أبدت رأيًّا يخدمها ويعزّز موقعها، لكنّها تناست وجهةً أخرى. أعمت نظرها عن دمٍ نازف في البحرين لا يختلف عن غيره في ليبيا. خرقت مصداقيّة تميّزت بها منذ انطلاقة الثورات، للحظاتٍ ظنّنا أمام إعلامٍ يمكن أن ينافس باحترافيته وسائل الإعلام العالمية. وكان كذلك، لولا أجندةٍ وضعت مسبقًا موضع التنفيذ.

أمام ما حصل، وجدت الجزيرة نفسها في مأزقٍ كان الأخطر في تاريخها، تركها بعضٌ من أعلامها، تحولت إلى طرفٍ في النزاع، غرقت في مستنقع الثّورة. تغيرت الجزيرة، وفقدت نسبة كبيرة من مشاهديها ومتابعيها.

لذا كان لزامًا أن نضع الجزيرة في الميزان، لنمارس النقد بحّقها، علّه يكون نقدًا بنّاءًا، يعيدها إلى شاشة كلّ عربي، منبرًا للإعلام الحر، صوتًا يشدو في عالمنا الصامت. نقيّم أداؤها، علّه يكون تقييمًا بنّاءًا يرتفع بالجزيرة من جديد، يعيد لها ماء وجهٍ أهرقته، نضع الجزيرة في الميزان لتعود ساحةً للرأي والرأي الآخر.

فما هي الأمور التي تُعاب عليها الجزيرة منذ انطلاقتها وحتّى تاريخ آخر ثورةٍ اشتعلت في بلدٍ عربي (سوريا)، والتّي وقفت في طريق مسيرتها نحو الإعلام الحرّ والحديث. سؤالٌ يُطرح، لنجد له الجواب بين صفحات البحث أدناه.

القسم الأول

العلاقة مع إسرائيل

تحدّث الكاتب جمال النجار صاحب كتاب “حقيقة الجزيرة”، عن معلومة تتردّد كثيرًا في أمكنة ومناسبات مختلفة، ومفادها أنّ إسرائيل تملك أسهمًا في قناة الجزيرة بمقدار النصف. أيّ أنّ إسرائيل تملك نصف القناة. وهذه المعلومة لم يؤكدّها أو ينفيها أحد، وبقيت شائعة، تطفو على السّطح كلّما أراد أحدٌ ما مهاجمة الجزيرة.

غير أنّ هنالك معطيات تؤكد وجود رجلٍ أميركي إسرائيلي من أصلٍ يهودي أراد أن يشتري 50% من أسهم الجزيرة عام 2004، وظلّ يعيد العرض مع زيادة المبلغ المعروض حتّى خريف 2009.

هذا الرجل هو “حاييم صبّان”، رجل أعمال أميركي من أصلٍ يهودي، تربطه علاقة قوّية بإسرائيل. أسّس مركز صبّان لسياسات الشرق الأوسط، كما أنشئ المنتدى الأميركي الإسرائلي الذي يعمل على تفعيل الحوار مع قادة الفكر والرأي المسلمين.

وصبّان صديق شخصي لأمير قطر حمد بن خليفة آل ثاني، ووزير خارجيتها ورئيس الوزراء حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني.

هذه المعطيات جعلت القناة قبلة للمنتقدين وبالأخصّ في العالم العربي الذي تسكن فيه القضية الفلسطينية وجدانه وتتربع على عرش اهتماماته.

هذا وتبثّ قناة الجزيرة في فلسطين المحتلة من خلال القمر الصناعي الإسرائيلي عاموس.

كما واعتمدت قناة الجزيرة منذ انطلاقة بثّها سياسة كسر الرفض الإعلامي العربي للتطبيع مع إسرائيل. فقد عمدت الجزيرة إلى استضافة قادة عسكريين إسرائيليين على شاشتها. لتكون بذلك أول قناة عربية تسمح لإسرائليين بالتواجد في ساحة الإعلام العربي ومخاطبة الشعوب العربية لتبرير عملياتهم العسكرية ومجازرهم المرتكبة بحقّ الفلسطينيين واللبنانيين والعرب على حد سواء. فقد ظهر على شاشتها شخصيات بارزة، أمثال شيمون بيرتز، والناطق باسم الجيش الإسرائيلي أفخاي أدرعي.

فالجزيرة دأبت منذ ظهورها على فتح برامجها للمسؤولين والصحفيين والسّاسة، وقادة الجيش الإسرائيلي لتبرير جرائمهم للمواطن العربي ونشر أكاذيبهم بطريقة محترفة ومعدّة بدّقة.

لقد سمحت الجزيرة لنفسها باستقبال القادة الإسرائيلين ربّما انطلاقًا من شعارها الذي تبنته في مسيرتها الإعلامية      “الرأي والرأي الآخر”، لكنّ هذا الموقف جعلها عرضة لشتّى الانتقادات التّي تعيب عليها السلوك في درب التطبيع في وقتٍ يحتاج العالم العربي لكافة الوسائل للدّفاع عن حقّه المشروع في فلسطين والقدس، وبالطبع لن يكون إيصال وجهة نظر الإسرائيلي إحداها.

ويشير البعض إلى علاقة تربط الجزيرة باغتيال بعض القادة الفلسطينيين، أمثال عبد العزيز الرنتيسي، ومحمود المبحوح، وسعيد صيام وغيرهم ممن تزامن اغتيالهم مع ظهورهم في مقابلاتٍ تلفزيونية على شاشتها.

حيث كان يتم استهدافهم بعد إجرائهم لمقابلات وحوارات في برامج تبث على القناة. فقد أثارت مقالة بعنوان ” تساؤلات عن عمليات الاغتيال بعد حوارات تجريها قناة الجزيرة” نُشرت على موقع إيلاف تبين علاقة الجزيرة بالكثير من عمليات الاغتيال أو اعتقالات لشخصيات بارزة بعد إجراء الحوار مع القناة، حيث تساهم مثل هذه الحوارات في تحديد موقع القيادات بدقّة. ويقول الكاتب محمد العوضي في مقاله على موقع إيلاف الإلكتروني ” لم تعد أوساط عربية واسعة النطاق مهتمة بالشؤون السياسية والإعلامية، مضطرة إلى تصديق تبرير فضائية الجزيرة القطرية بتزامن وقائع اغتيالات واعتقالات لنشطاء سياسيين وأمنيين وعسكريين حول العالم بشكل عام، وفي المنطقة العربية على وجه التحديد، بالمصادفة البحتة، لأنّ المنطق العلمي يقول أنّ الصدفة المتقنة لا تتاح بهذا الشكل المريب الذي يترافق مع مقابلةٍ تجريها الفضائية القطرية، واعتقال أو اغتيال من ظهروا في تلك المقابلات، لأنّ العقل البشري يمكن أن يقتنع بتفسير الصدفة مرّة أو اثنتين، لكن أن تصبح ظاهرة، فهذا الأمر لا بدّ من التوقف عنده، لوضع النقاط على الحروف في ما يخصّ أداء القناة الفضائية ودورها الغامض”.

القسم الثاني:

 

الولاء الأعمى للدولة القطرية

كشفت وثائق خطيرة سربها موقع “ويكيليكس” أنّ لقاءًا سريًا جمع بين الشيخ حمد بن جاسم وزير الخارجية القطري ومسؤول إسرائيلي نافذ في السلطة. وكشف فيه الشيخ حمد للمسؤول الإسرائيلي أنّ الدوحة تتبنّى خطّة لضرب الاستقرار في مصر، وأنّ قناة الجزيرة ستلعب دورًا محوريًا في تنفيذ الخطّة.

تظهر الحزيرة بناءًا على هذه الوثيقة، كأداة في يد القطريين، يستخدمونها كيفما يشاؤون لخدمة مصالحهم على حساب أطراف أخرى.

فالنظام القطري يستخدم الجزيرة لتصفية الحسابات مع خصومه، وقد نجح في أكثر من مرّة في تأجيج الأوضاع في عددٍ من البلدان العربية.

وكان لظهور الجزيرة كقناة إعلامية فضائية عملاقة بإمكاناتها المادية الهائلة ورأسمالها الضخم بغياب الإعلانات عن شاشتها والتّي تشكّل المصدر الأول لواردات أيّ قناةٍ إعلامية قد ساهم في تعزيز الحقيقة القائلة بأنّ تمويلها يتم من قبل الحكومة القطرية.

فمجموع دخل قناة الجزيرة من الإعلانات والأنشطة التجارية الأخرى لا تساوي 40% من مصاريفها. والجزيرة انطلقت في بثّها عبر منحة مالية بمقدار 150 مليون دولار من حكومة قطر، وقد قررت الحكومة لاحقًا استمرار دعمها بمبلغ ثلاثين مليون دولار سنويًا، وكشفت مجلة الإيكونوميست أنّ أمير قطر قد قرر دعمها سنويًا بمبلغ أربعمائة دولار أميركي سنويًا اعتبارًا منذ العام 2010.

كلّ هذا الدعم جعل من الجزيرة قناةً مرهونة للحكومة القطرية، تخدم سياستها وتعمل وفق أجندتها دون أن تعمد إلى الإشارة لا من قريب ولا من بعيد إلى أيّ قضايا تتعلق بالشأن الداخلي القطري.

فالشرط الوحيد لاستمرار دعم الحكومة القطرية للجزيرة هو أن لا تتعرض الأخيرة لأي من شؤون قطر. الأمر الذّي يفسّر غياب الكثير من الأمور الكارثية التّي تحجم  الجزيرة عن نشرها، كحقيقة انقلاب أمير قطر على والده، ووجود أكبر قاعدة أميركية في منطقة الشرق الأوسط داخل قطر، ومثل بحث العلاقات الوطيدة مع تل أبيب والزيارات العلنية والسرية لضيوف شرف إسرائيليين ومكتب التمثيل التّجاري الذي افتتحته إسرائيل في الدوحة. وغيرها من الفضائح المحلية والإقليمية والعالمية كإلغاء جنسية عشيرة آل غفران من قبيلة مره ردًا على محاولة انقلاب فاشلة تورط فيها عناصر  من عشيرة آل غفران للانقلاب على نظام الحكم في قطر، والذي لم تتعرض له قناة الجزيرة ولم تشر إليه بتاتًا.

وقد كتب “روبير مينار” الذي حضر إلى قطر ليتولّى إدارة مركز الدوحة لحرية الإعلام، وذلك بعد إبعاده عن منظمة “مراسلون بلا حدود”، رسالة مفتوحة إلى الشيخة موزة ضمنّها انتقادات كثرة لوضع الحريات في قطر قال فيها “إنّ البلاد تعاني من غياب حرية الصحافة وعدم وجود نقابة للصحفيين وكذلك الحاجة لتغيير القوانين المنظمة لحرية الصحافة والإعلام”. فإذا كان هم الجزيرة نشر الديموقراطية فلماذا لا تفعّل مجهودها نحو قطر كما تفعل على صعيد باقي الدول العربية.

باختصار، فإنّ السياسة التّي تعتمدها القناة من ناحية التعاطي المهني مع مخنلف قضايا المنطقة لا تشمل الدولة القطرية، فالاقتراب من الشأن الداخلي هو خط أحمر. حتّى ولو اضطرت الجزيرة إلى تضليل الرأي العام، كما حدث عام 2009، فبينما كانت الطائرات الأميركية من طراز سي هيركوليز تنقل الأسلحة والذخائر من القاعدة الأميركية من قطر إلى إسرائيل لدعم أعمال قتال الجيش الإسرائيليفي عدوانه. كانت الجزيرة تصرف أنظار الشعوب العربية إلى مصر، وبدلًا من أن يتّجه الغضب العربي إلى أميركا باعتبارها شريكًا لإسرائيل في عدوانها، وإلى قطر بوصفها حليفًا لوجيستيًا أساسيًا في المنطقة، اتّجه الغضب نحو مصر. وكما حدث في لبنان عام 2006، فالصواريخ الذكية التّي استخدمتها إسرائيل في قصفها لأهدافٍ مدنية راح ضحيتها المئات من الشهداء كان مصدرها مخازن القاعدة العسكرية في قطر، لكنّ أحدًا لم يشر إلى الأمر، واكتفى الجميع بالتصفيق والتهليل للحكومة القطرية على دعمها المفرط لإعادة إعمار الجنوب وعلى منحها المالية التي قدمتها للشعب اللبناني الذي من دون شك ساهمت في قتله.

القسم الثالث

 

الجزيرة والسلفية وظلال الإخوان المسلمين

قناة الجزيرة هي القناة الوحيدة في العالم التّي كانت محل ثقّة تنظيم القاعدة والجماعات الأصولية، فقد انفردت القناة ببثّ تسجيلات وشرائط لزعمائها، وأجرت العديد من المقابلات الحصرية معهم، كما سُمح لها بالتوّغل في عالمهم، واستقصاء طريقة حياتهم، لتنقل لنا صورتهم واضحةً من جبال تورا بورا  حصريًا دون أن تتمكن أي قناةٍ إعلامية من سرقة أضواء هذا السبق الصحفي.

وفي حديثٍ تلفزيوني على قناة الجديد، أجراه الإعلامي طوني خليفة مع الإعلامي يسري الفودة. أكّد الأخير أنّ قناة الجزيرة كان لها ارتباطات بتنظيم القاعدة. ولكن في مرحلةٍ لاحقة تمّ فصل العلاقة بين الاثنين. كما وتمّ تصفية مجموعة من الإعلاميين والفنيين الذين كان لهم علاقة بالقاعدة. وقال فودة أنّه كان للجزيرة قنوات مفتوحة مع القاعدة.  لذلك تميزت الجزيرة من بين كافة القنوات العالمية والعربية ببثّها لبيانات مسجّلة وغير مسجّلة للقاعدة، ومن بينها خطابات تلفزيونية لزعيم القاعدة أسامة بن لادن.

يُذكر أنّ يسري فودة عمل في الجزيرة منذ بداية تأسيسها وكان يقدّم ويعدّ برنامج ” سري للغاية” ولاقى برنامجه نجاحًا كبيرًا بسبب لقاءات أنجزت مع قيادة القاعدة.

وبرزت في الآونة الأخيرة انتقادات للجزيرة بوصفها بوقًا إعلاميًا لتنظيم الإخوان المسلمين. فقد أصبحت تعبّر عن توّجه التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، وأدّى اتّباعها لسياسة متشدّدة في إدارة المؤسسة الإعلامية إلى استقالة خمس مذيعات من القناة وهنّ لونا الشبل، نوفرعفلي، جمانة نمور، لينا زهر الدين، وجلنار موسى، وذلك بسبب خلافات مع الإدارة حول عدّة مسائل من بينها الضوابط المظهر الخارجي والمكياج. فقد قامت إدارة الشبكة وإدارة التحرير فيها بوضع قيود والتزامات على موضوع الملبس والاحتشام والمظهر العام للإطلالة على الشاشة.

ويشير د. خالد شوكات في موقع إيلاف الإلكتروني، أنّ التوّجه الإعلامي الحالي لقناة الجزيرة مرتبط بتنظيم سياسي وعقائدي وأيديولوجي، يتطلّع إلى نشر مواقفه على الجمهور العربي، والتبشير برسالته والتعريف بقادته وحلفائه.

فالجزيرة جرى اختطافها من قبل التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، حيث باتت تعتمد في سياستها على المعيار الديني الإسلامي، وأصبح قالبها الإعلامي يلتزم بضوابط شرعية وبرسالة دينية لا تتوافق مع الحياد الإعلامي.

أسرار قناة الجزيرة كثيرة، وإلى حدّ الآن لم يجب أحدٌ مثلًا على سؤال كيف تعمل قناة من أرضٍ محميّة أميركيًا على تأليب العالم العربي على السياسة الأميركية وتقديم الدّعم الإعلامي للحركات المسلحة الأكثر دموية وعداء لواشنطن، والالتزام بنهج سياسي يرعب العالم الغربي.

ووفقًا لمصادر في قناة الجزيرة، فإنّ الولاء أصبح مقدّمًا على الكفاءة في قناة الجزيرة، حيث أنّ الصحفيين غير المؤيدين لسياسات الإخوان المسلمين أصبحوا أمام خيارين لا ثالث لهما، إمّا التكيّف مع شروط العمل الجديد، والانسجام مع التشريعات وإمّا ترك العمل والرحيل.

يظهر هذا في القناة على صورة الاستبداد المتخفي تحت اسم الدين، ويلاحظ المتابع لبرامج قناة الجزيرة طغيان الضيوف ذوو الخلفية الإخوانية والدينية على غيرهم من قادة الحركات السياسية.

وكأنّ الجزيرة قد تبنت برنامجًا معينًا يحمل في طياته عقليةً إسلامية متشدّدة، تتبع الحذف كأداة فعّالة في العمل الإعلامي، وتكتفي بإظهار ما يخدم هذه السياسة إلى العلن وهذا هو المطلوب من الضيوف والبرامج، أمّا الالتزام المهني والأخلاقي أصبح فرعًا في العمل، والأصل هو ما يخدم مصلحة التنظيم وما يتفق مع آراء وتوّجهات الإدارة.

وهذا ما يخالف حقيقة الدور المتمثل لقناة الجزيرة في ذهن المشاهد العربي، فمؤسسة بحجم الجزيرة يجب أن تكون منفتحة على كل الآراء، ومؤمنة بالحياد وتتعامل  مع كافة التيارات الفكرية والسياسية العاملة على الساحة العربية على حدٍّ سواء، وتكون منحازة لثوابت المشروع الديموقراطي العربي باعتباره دعوة للتعايش والحوار والتسامح وتقديس حقوق الإنسان.

يبدو أنّ الجزيرة تغرد خارج سرب الإعلام المحترف والمطلوب، فلا يجوز لقناة إعلامية محترمة أن تتبنى رسالة إعلامية تخالف ميثاق الشرف الإعلامي المتمثل بالاستقلالية والموضوعية والتزام الحياد في التعامل مع الأمور، فالإعلام ليس طرفًا في الصراع بقد ما هو وسيلة تُظهر حقيقة الأمور في عالمٍ يضجّ بالكذب.

ولا بدّ من القول أنّ أبشع أنواع الاستبداد هو الذي يتمّ باسم الدين، فلا أحد يملك كلمة الحقّ إلّا الحقيقة، وهي وحدها تستحقّ منّا أن ندافع عنها.

القسم الرابع

تغطية الثّورات العربية

لعبت الجزيرة دورًا رياديًا في تغطية أحداث الثّورات العربية في بداياتها. ففردت على شاشتها مساحاتٍ واسعة لتغطية الثّورة في مصر. حتّى أنّها خصّصت قناة للبثّ من مصر مباشرةً  لحظة بلحظة.

لكنّ مؤشرات غير إيجابية لاحت في الأفق في الآونة الأخيرة وتتحدث عن كون الجزيرة تفضّل ثورة عربيةً على أخرى. فالجزيرة التّي رمت بكلّ ثقلها في مصر، وكان لها احتضان إعلامي للثّورة بطريقة غير مسبوقة حيث فتحت خطوط هواتفها 24\24 للمرابطين في الميدان، واستحقت لتغطيتها عن جدارة لقب “لسان حال ثورة ميدان التحرير”. فرضت تعتيمًا على بعض الثّورات بشتّى الحجج والطرق التقنية والإعلامية التّي تبرع فيها القناة.

والجزيرة التي ساهم حذف قمر النايل سات عن باقته في ازدياد إقبال المشاهدين عليها، أصبحت أكثر من مجرد طرف إعلامي، بل دخلت في لعبة الثّورات، وتبنت الصوت المعارض للحكومات، وأحرزت مكاسب جمّة لاسيما في الأيام الأخيرة لسقوط أول وثن سياسي عربي. قد فشلت في تغطية أحداث الثّورة بموضوعية وحيادية في البحرين. فعندما وصلت الثّورة إلى دول الجوار الخليجي اصطدمت القناة بأجندة سياسية وخطوط حمر. فما حدث في البحرين من إعلان حالة الطوارئ، ودخول درع الجزيرة، وما تعرض له المواطنون من قمع وترهيب بقي في البحرين. فتغطية الجزيرة لما حدث هناك اتّسمت بالتعتيم والتعميم الفضفاض. أضحت معها مصداقيتها على المحك. فالحرية واليموقراطية مفاهيم لا تتجزأ وهي واحدة لكلّ الشعوب.

فالأخبار المتعلقة بالثورات في دول الخليج ( من البحرين إلى السعودية، وعمان وقطر) غُيّبت أو مرّت بسلامٍ على شاشة القناة. هذا التعامل غير المهني أشعل اضطرابات في الجزيرة، أدّت إلى استقالة بعض أعلامها كغسان بن جدّو، مدير المكتب الإعلامي للقناة في بيروت وأحد أبرز مراسليها، ردًّا على السياسة التّي انتهجتها في التغطية الإعلامية.

أمّا الضربة الثّانية للجزيرة فكانت إثر اندلاع الثّورة في سوريا، حيث مارست في البداية التعمية الإعلامية، لكنها وأمام تنامي الثّورة في بلاد الشام وجدت نفسها في خضم معركةٍ شرسةٍ تخوضها ضدّ النظام، وظهر انحيازها بشكلٍ مكشوفٍ وواضح جعل مصداقيتها تسقط لتتحول بذلك من وسيلة إخبارية إلى أداة تحريضيّة تسعى إلى تأجيج الأوضاع، وبالأخص بعد انتشار مقطع لفيديو على الشبكة العنكبوتية يحوي مقتطف من حديث يجري تحت الهواء للمفكّر عزمي بشارة مع المقدّم علي الظفيري حيث يحثّه الأخير على تبييض وجه القناة وضرورة تأجيج الأوضاع عند الحديث عن الثّورة في سوريا.

ظهرت الجزيرة بمظهر المملوك لجهات مشبوهة، ومرتبطة بنشر سياسة الفوضى الخلّاقة في المنطقة،

واعتمدت بشكلٍ غير مهني على صور الفايسبوك والهواتف النقّالة من دون أن تتحرّى مصدرها، ومكان إرسالها، وتوقيت الإرسال.

كما واعتمدت على شهود عيان مجهولي الوصف والرسم. والتقت بمعارضين من الخارج بوصفهم محللين دون أن تعرّف التعريف الصحيح، في مخالطة للرأي العام العربي والدولي.

ويبقى هذا السؤال في عهدة الإجابة، هل قناة الجزيرة مستعدّة لاحتضان باقي الثّورات العربية بقدرٍ من المساواة المهنية.

هناك من يوّحه الجزيرة في تغطيتها للأحداث، هذا ما تقوله المتابعة المكثّفة لأخبار الجزيرة ومجرى الأحداث. اعتماد أسلوب التعمية في مكان والإظهار الفاضح والمنحاز في مكانٍ آخر.

الخاتمة

رغم كلّ الانتقادات الموّجهة للجزيرة، لا يمكن ممارسة التعتيم بحقّ فضلها على عالمنا عامّةً وعلى كلّ مواطنٍ عربي خاصّة. فالجزيرة ساهمت وبشكلٍ جديّ من خلال برامجها، وأسلوب بثّها الصحفي في زيادة الوعي فيما يتعلّق بمختلف القضايا التّي تهدّد عالمنا اليوم. وشكّلت منبرًا للكثير من الأصوات التّي لم تجد يومًا من يوصل صداها إلى أصحاب القرار. رغم كلّ الانتقادات تبقى الجزيرة تقطةً مضيئة على الساحة العربية، والشاشة التّي بثّت رأينا وإن كان في وجهه رأيٍّ مخالف.

حول الجزيرة تحلّقنا لنشاهد شتّى الأحداث، لنسمع مختلف التحليلات للأمور، رافقناها منذ انطلاقة دربها، نكبر معها وتكبر فينا. أخذت بيدنا ساعة الأزمات، وقفت في وجه حكومات كان لا بدّ أن يقف أحدٌ في وجهها. خافها الجميع، هابها الكلّ، ربّما لأنها اللسان السليط الذي لا يرحم. حاربها كافة الأطراف، أغلقوا مكاتبها، صادروا صوتها، لكنّها رغم كلّ هذا ما تزال هناك، واقفةً في وجه مدّ الثّورة وتسونامي الأحداث.

كان لا بدّ من وقفةٍ لتعيد الجزيرة حساباتها، كان لا بدّ من صدمةٍ لتتذكّر أنّ الشعب الذي كان في يومٍ مضى طفلًا يلعب بين أحضانها، ويسمع لرأيها، يصدّقها دون نقاشٍ أو جدال، قد كبُر الآن.

المواطن العربي ازداد وعيه، لم يعد يقبل باحترافيةٍ ناقصةٍ أو مصداقيةٍ على المحك. المواطن العربي صار يملك آلة التحكّم بيده، غدى صاحب القرار، يستطيع وبضغطة زرٍّ أن يوقف الهراء والكذب والنفاق، يستطيع أن لا يشاهد ويرمي أي قناةٍ بحكم الإعدام.

كمّ المعلومات الهائل الذي يسقط علينا، يجعلنا أكثر انتقائيةً وحذرًا في تعاملنا مع الأمور. ما يطلبه المشاهد في أيّ زمانٍ ومكان، وفي قلب أيّ حدثٍ كان وما يزال الحقيقة.

المشاهد لا يطلب أكثر من الحقيقة في تعاطي القناة مع الأخبار والأحداث. يريد موضوعيةً توضح له الرؤية. ومهنيةً تجعله أكثر إلمامًا بصوابية مواقفه وقرارته.

لم يعد هنالك من مكانٍ لإعلام التلقين، لم يعد المشاهد مجرد متلقي للأخبار وبما تجود عليه القناة، فهو أصبح صانع الحدث وناشره في ظلّ وسائل الإعلام الحديث وقنوات التواصل الاجنماعي.

لم يعد الخطأ قابلًا للتمويه، لم يعد مقبولًا ونحن نعيش عصر التنافس الإعلامي حيث تصبح فيه زلّة المحترف سقطةً قويةً في عالمٍ يتقن صناعة المعايير.

دعوةٌ للجزيرة للعودة إلى النهج الإعلامي القويم، فالفرصة مازالت قائمة، والقطار الإعلامي وإن سبقها قد يمكن اللحاق به. لم يفت الآوان بعد لإحياء المعايير المهنية، ورمي المخططّات المعدّة سلفًا وقيود التبعية التي تحكم العمل الإعلامي وتخنقه. ما تزال الثّورات مشتعلةً في كافة البلدان العربية، وإظهار الأمور على حقيقتها ممكنٌ إن آمن الجميع بالرسالة الإعلامية وثوابت المهنة وبالوقوف مع الحقيقة في وجه كافة المغريات.

المصادر:

كتاب “حقيقة الجزيرة” جمال النجار

مركز الدراسات القانونية لمحامي المملكة الأردنية

جريدة إيلاف الإلكترونية / http://www.elaph.com

ويكيبيديا الموسوعة الحرّة

وثائق ويكيليكس المنشورة في المطبوعات العربية

محرك البحث جوجل

مقابلات تلفزيونية وحوارية مع صحافيين في القناة

الاسم: مريم أمين شربف ترحيني

تاريخ الميلاد: 18 – 10- 1988

الفئة العمرية المشارك فيها الباحث: الفئة الأولى

الجنسية: لبنانية

بلد الإقامة: السعودية

البريد الإلكتروني:

Maryam.tarhini@gmail.com

محور المسابقة المختارة: الجزيرة … رؤى نقدية

عنوان البحث المقدم: الجزيرة في الميزان.

Advertisements
Posted in: إعلامنا