لن أسخر

Posted on أكتوبر 15, 2011

0


الحرية  شريطٌ مطّاط، قد يتّسع ليشمل العالم كلّه، وقد ينحسر ليصبح حكرًا على جماعةٍ أو بضع أشخاص. لم تنزل الحرية يومًا إلى مرتبة تخوّلها أن تكون عامّةً لكلّ البشر، بقيت في الأعالي، مسمّرة عند من يظن نفسه أهلًا لها، ليترك غيره مِن مَن هم من عامة الناس عبيدًا لمشاعره وأحاسيسه. ما نحتاجه ليس الحرية ما نحتاجه هو الاحترام، قدرتنا على تقبّل الآخر أيًّا كان ما يرتديه وما يؤمن به.

انتشرت في الآونة الأخيرة صورٌ مزعجة، لا ينتج عنها إلّا تجريحٌ بأشخاصٍ حقيقيون وليس بكائناتٍ هبطت علينا من الفضاء، ما نراه على صفحات الفايسبوك شيءٌ مؤلم، يعيدنا إلى عهودٍ مرّت من الاضطهاد. الأمر ليس مجرد مزحة، وليست دعابةً تستحق أن نضحك عليها ونشاركها مع الأصدقاء. هنالك نوعٌ من التحريض الخفي، من تعبأت النفوس وشحنها لا أكثر، تلك الصور تحدّد لنا على من يجب أن نلقي دعاباتنا، على من نقهقه، ومن يجوز لنا أن نشمله في صورةٍ نمطيةٍ تسحقه وتجرّده من إنسانيته.

هنالك خيطٌ رفيعٌ يفصل الحرية عن السخرية، فاصلٌ رقيقٌ قد يودي بنا إلى الهاوية. كلّ الأمور تبدأ هكذا، كما قال غاندي، في البداية يتجاهلونك ثمّ يسخرون منك، ثمّ يحاربونك ثمّ تنتصر. صرنا في الفصل الثاني من فصول المسرحية التّي سيشهدها العالم، دراما سوداء ستعمّ المنطقة، ولن ينجو منها أحد. لزمنٍ طويل ظلّ اليهود مثارًا للسخرية ومدعاةً للضحك، فلننظر إلى اليهود من حولنا، لنتمعن في إسرائيل، كلّ السخرية التّي طالتهم تحولت إلى حقدٍ وعنصرية، تفجّر في وجه أول فريسة.

لأكثر من ستين عام ونحن نضطهد على يد اليهود، تُسرق أرضنا على مرأى من العالم، نُقتل في بيوتنا بصمت، ولا يستنكر ولا يُطالب بحقّنا أيّ أحد. أعتقد أنّ احترام الحرية، أهمّ من الحرية بحدّ ذاتها. والسخرية شيءٌ قد يجعلنا نضحك في البداية، لكنّه قليلًا قليلًا سينقلب علينا، بعد أن تصبح الضحية جلّادً، وتغدو حقًّا كائنًا بعيدًا عناّ، سيملأها الحقد والكره من العالم الذي جعلها في زمنٍ ما مجرد مزحة.

لن أسخر من أحد، لن أسخر من الدلاي لاما على زيّه الذي يرتديه، ويجوب به العالم. لن أسخر من الساري الهندي، ولا من الزيّ الباكستاني، ولا لن أسخر من امرأةٍ قررت ارتداء النقاب إيمانٍ منها بما تريد. لن أسخر من أحد، ليس من حقّي تحويل البشر إلى شخصياتٍ كرتونية، ليس من حقّي إهانة أحدٍ بحجّة الحرية الشخصية، فكما أطالب بحقوقي وأدافع عن الحرية والديموقراطيّة، لن أحرم أحد من حرية أن يعتنق ما يريد. لا أعيش في المدينة الفاضلة لكنّني أؤمن بأنّ العالم يحتاج إلى كثيرٍ من التسامح إلى كثيرٍ من المحبّة وإلى قليلٍ قليل من حسّ النكتة السمجة التّي يحلو لها أن تجعل من مجموعة بشر أداةً للتسلية.

لنرفض تلك الصور، لنرفض كلّ ما من شأنه أن يهين البشر، إنّها مزحةٌ قاتلة لا تعرف أنّها تخلق ضحيةً ستحولها مع مرّ الأيام إلى وحشٍ كاسر. قد لا أكون مع النقاب، قد لا أكون معما يغطّي تفاصيل الوجه لكنّني لن أضحك على أي صورةٍ تطال من يرتدي النقاب، ولن أسخر…

Advertisements