يسقط…يسقط

Posted on أكتوبر 12, 2011

0


حربٌ أهلية أو طائفية، لن نختلف على اسمها بعد اليوم، فهي تطلّ برأسها عند كلّ مفترق تغيير، تهدّد الجميع في حاضرهم ومستقبلهم، تشحن القلوب بالماضي، بأحداثٍ غطّاها غبار التاريخ. أهليةً أو طائفية، سيظنّ الجميع أنّها لعبةً شيّقةً تعيد إليهم أمجاد سلاحٍ رغبوا دومًا في تجربته، سيرون في حياتهم العسكرية الجديدة مغامرةً تستحقّ المتابعة، سيسمعون في أزيز الرصاص أنغامًا موسيقيّة تفيض بهم جرأةً ومغامرة. لن يتحدّثوا عن علمٍ ولا عن تقدّم، سيغرقون في دوّامة تخلّفهم المستديم، مقتنعين برهبة انتصاراتهم، ورويدًا ورويدًا ستُفتح أعينهم على حقيقةٍ مرّةٍ سيتقوقعون في آلامهم يحيون ذكرى لحربٍ مازالت تمتصّ من أرواحهم ولم تنتهِ ببساطة الكلمة التّي أعلنت اشتعال شرارتها.

بعض البشر يعشق رائحة الدم، بعض البشر يهيم في لون الموت، بعض البشر أشبه بغربانٍ سود أينما حلّوا لا يجلبون إلّا الخراب. بعض البشر أشبه بالقطيع، يرون في كلّ مختلفٍ عدوًّا يستحق الذبح وقطع الرأس، بعض البشر حيوانات لم يكرّمهم الله لمرتبة بني آدم، ظلّوا قابعين في عوالم سواداويةٍ قاتمة همّها صناعة الأذى وسلوك دروب الموت. بعض البشر يتقنون صناعة الموت أكثر من قدرتهم على استعمال الحياة، بعض البشر ببساطة يرون في أنفسهم أداةً لقطف الحياة لا أكثر.

كم تبدو الثّورة بشعةً في زيّها الحالي، كم تبدو هرمةً متعبةً ترمي بثقل جسدها على من يتناهش لحمها، الثّورة إن سقطت تكسّرت إلى جزيئات لا يمكن جمعها في قالبٍ واحدٍ من جديد. الثّورة ترتدي زيّ الحرب الأهلية، الثّورة تمارس العنصرية، تتحول إلى وحشٍ يبتلع ما يقف أمامه. تغيرت الثّورة كثيرًا، منذ إشراقة فجرها لم تعد كما كانت، انقلبت إلى كابوسٍ بعد أن كانت سلسلةً متواصلةً من الكفاح من أجل تحقيق الحلم. باعت نفسها لقاء حصّةٍ موعودة، لم تسمع لنداءات شبابٍ آمن بها، رفضت أحضان المستقبل وانقلبت عائدةً إلى أدراج الماضي.

الثّورة تكاد تعلن موتها، تتخبط لاهثةً بحثًا عن أنفاسٍ تعيد إلى روحها الحياة. أن تعيش مضطهدًّا لا يمنحك عذرًا كي تمارس اضطهادًا مكبوتًا بحقّ الآخرين. أن يُفرض الصمت عليك لا يعطيك الحقّ بإغلاق أفواه الآخرين، أن تُقتل لا يبرر لك ارتكاب فعل القتل بحق الآخرين. لا إسرائيل ثانية نريدها في قلب هذا العالم، لا دولة يسيطير فيها الحزب الواحد على شكلها بعد أن كانت خاضعة لحكم الشخص الواحد.

العنف لا يولد إلا العنف، والدم لا يغسله إلا الدم، لا نريد أن نغرق في دوامة من القتل والتدمير، لا نريد لبلادنا أن تدخل في عصور ظلامية يقتل فيها الجار جاره، لا نريد للموت أن يصبح مجرد رقم يزداد ارتفاعا مع الأيام، لا نريد للموت أن يتحو ل إلى خبرٍ اعتياديٍّ على الشاشات.

حكم العسكر في مصر لم يغيّر شيئًا، ما تزال البلاد قابعةً تحت حكمٍ بقبضةٍ من حديد، فرح الثّورة لم يكتمل، لم يزهر وردًا كما هي عادة الربيع. التفرقة رائجةٌ في سياساتها، والأمر بإطلاق الرصاص لم يعد أمرًا غريبًا أو مريب، طائفيةٌ يلعبون بنارها، أهليةٌ يوّدون لو تغرق البلاد بفوضى ما لها من مثيل. ليبقى الحكم بعد أن سقط رأسه. وتموت الثورة ، والأحلام التّي حملها ذات يومٍ شبّانٌ آمنوا بالتغيير.

وتونس ما بعد الثّورة تتجه لحكمٍ ثيوقراطيٍّ متشدّدٍ يعيد للأذهان صورة قطع الرؤوس، وكمّ الأفواه، ورفض أيّ جديد. حكمٌ لا يشبه اسمه بشيء، هو حصيلةٌ لأعوامٍ من القهر والاضطهاد على يد نظامٍ أراد الشعب إسقاطه، واليوم نرى في العواطف المشحونة تطفو على السطح عنفًا وفوضى، لا يمكن أن تبرّر في عصر الربيع.

فلنكفّ عن إصدار الشعارات، فلنوقف كلام التنظير، حان الوقت لكي نرى الشباب الذي فكّر بالثورة يعمل ويرينا ما قد تنتجه أياديه. لا تدعوا الثّورة تغرق في بحرٍ من المصالح واسع لا يابسة تلوح في أفقه.

Advertisements