إنّه هاتفٌ ذكي

Posted on أكتوبر 5, 2011

0


نحن نعاني من انفصامٍ بالشخصية، نتكلّم بغير ما نفعل، نصيح في وضعيةٍ هي أقرب إلى إصدار الضجيج. تعوّدنا الصراخ وإطلاق المطالب. نرتدي أبهى حللنا لننزل إلى الساحات مطالبين بفك الحصار عن قطاع غزة، نجلس إلى موائد عامرةٍ ولا نخجل من التحدّث عن المجاعة في الصومال، وعن الأطفال الذين صاروا أبعد ما يكون عن عالم الصغار. نتكلّم باحترافيةٍ عن الثّورات وعن وجوب محاربة الإمبريالية والاستعمار، نسرف في الحديث عن الرأسمالية نتفاخر بمعرفتنا بالمصطلحات المعقدّة والصعبة، نعتقد بأنّنا مثقفون لمجرد تكلّمنا بطريقةٍ تخالف من حولنا، أو بلغةٍ ربّما لا يفهمونها. فنحن كما يقال في عالم الخضروات “وج ْالسحّارة” وهي الطبقة الأولى من صندوق الخضار، والتي عادةً ما تكون منتقاةٍ بعناية.

أجل، نحن نعاني من انفصام، لا أدري إن كان خطيرًا، لكنّه ليس سليمًا. لا يمكن أن نبقى هكذا، تتخبط فينا الأفكار، تتلاطم مبادئنا فيما بينها، كبحرٍ هائجٍ لا يُعرف له قرار. صار الهاتف في عصرنا أذكى منّا، يمارس إبهاره علينا، نكاد نموت إن لم نقتنِ هاتفًا يليق بروح العصر. أنت تحمل آي فون إذًا أنت موجود. لم نعد بشرًا صرنا مجرد مستهلكين، نلهث وراء التكنولوجيا، نعرّف أنفسنا بهواتفنا، بلاك بيري، جلاكسي، أتش تي سي، والعديد العديد من أجهزة الهوس الهاتفي.

لم ننتبه إلى أنّ الأسرى في السجون الفلسطينية مستمرون في إضرابهم عن الطعام، لم نعر أذنًا إلى مطالبهم وإلى كمّ الظلم اللاحق بهم، ربّما لو كانوا يملكون هواتف ذكية لاستطاعوا التأثير بنا عبر الواتس أب والسوشيال ميديا، لم ينتبه أحدٌ إلى أنّ هؤلاء الأسرى معزلون عن العالم في عصرٍ يترابط فيه الكون كلّه بطريقةٍ غريبةٍ ومخيفة، كلٌّ يريد معرفة مكانك وأنت تكتب عن شيءٍ ما ترغب في أن تقوله لكنّه لن يبذل جهدًا يذكر في البحث عن تلك المعتقلات التي تسجن خلف قضبانها كائناتٍ تسمى فلسطينين.

أنت حر، إن كنت ترغب في هاتفٍ يتحدّاك، يُغرقك في عالمٍ افتراضي، يتمّم ما بدأه الحاسوب والإنترنت، تتشعّب فيه بعلاقاتك الافتراضية، تدافع افتراضيًا عن قضيةٍ حقيقية، تنظّم أو تشارك في مسيرةٍ افتراضية رفضًا لعذاباتٍ لا يمكن أن تشعر بها افتراضيًا، لكنّك تشارك، من على سريرك، وبين يديك حاسوبك المحمول أو هاتفك الذكي لافرق. أنت حر في أن تشتري هاتفًا قد يُطعم قريةً صوماليةً بأسرها، أو يساهم في علاج طفلٍ عراقي أو أفغاني، أو يؤمّن قسطًا مدرسيًا كاملًا لطفلٍ قررت حياته أن يبيع العلكة بين السيارات.

أعرف أنّه هاتفٍ ذكي، تكبر فيه لكنّه للأسف لا يكبر فيك، ولا يشعر بك بتاتًا. همّه الوحيد هو السوق، مهمته الأساسية تتجّلى في أسر المستهلك بين قضبانه. إنّه هاتفُ ذكي، ستتعلّق به في البداية، ستحميه كما تحمي أمٌّ أطفالها، لن تقبل  بأن ينام إلّا إلى جانبك، سيرافقك أينما تذهب، لكنّه رويدًا رويدًا سيبوخ، سيفقد هيبته أمام ما يأتي خلفه، وستصبح أسير تلك التكنولوجية اللعينة، ربّما هي لعنة العصر التّي يتحوّل فيها هاتفك إلى شيءٍ يشبه الزوجة، فهو يريد أن يعرف من أين تجري اتصالك، ويريد أن يعرف أين أنت ومع من، وهو يتعقّبك تلقائيًا من دون أن تنتبه. هو هاتفٌ ذكي وهو أقرب ما يكون إلى زوجتك أو زوجك، لا فرق.

Advertisements