كل الحق عَ نيتشه

Posted on أكتوبر 4, 2011

0


لو لم أقرأ تلك الجملة لكنت في أفضل حال. لو اكتفيت فقط بمطالعة العنوان دون النظر إلى خلفية الغلاف لعشت كما تقول الحكايات في سباتٍ ونبات. المشكلة في الجملة، هي التّي ستقنعني بأنّ عليّ أن أبدأ حياةً جديدة، هي الجملة التّي ما إن تقرأها ستتغير معها كلّ حياتك. ذات يومٍ  قرأت جملةً، ومذاك تغيرت حياتي كلّها. عذرًا أورهان باموق.

أنا بومة، هكذا يُقال، ونتيجةً لكثرة الإلحاح وكثرة التأكيد على التوصيف تماهيت تلقائيًا مع الموضوع. أنا لا أجلب الخراب لكنّني لا أستطيع أن أنظر إلّأ إلى النصف الفارغ من الكوب، أصلًا لا أملك كوبًا كي أرى نصفه الملآن. وجدت وظيفةً في شركة النق العالمية، وهي شركة متعددة الجنسيات ينضوي تحت لواءها ملايين البشر. ليس بالضروري أن تعمل بدوامٍ كاملٍ فيها، لأنها على خلاف كلّ الشركات تعتمد نظامًا مرنًا في التوظيف وفي الخدمات المقدمة لطالبي العمل.

أنا بومة، لأنّني أكثر النقد والانتقاد، أسرف في تضئيل الأشياء. لا يعجبني ما يجري على الساحة العربية أو الدولية أو حتّى المحلية. أرى في وطني مزرعة خراب، لا أؤمن لا بالثّورات ولا بالحراك، أتّهم الحكومات بقتل الشعوب، وأرمي الشعوب بتهمة الخيانة العظمى، أرى في كلّ شيءٍ نقصًا في الوعي والإدراك، أتّهم إسرائيل وأميركا بالضلوع في أعمال تخريبية تستهدف كلّ تفصيلٍ من حياتي، لا أمنح فرصة لقيام فلسطين، اتهم الآخر بممارسة فنون العنصرية والحقد، أرى أن العالم يسير نحو الهاوية ، لا أرى أملًا في مستقبل لا أتطلع إلى غد، كلّ ما يلوح في حدقة عيني هو خيالاتٌ لحروب ومجازر ومجاعات.

اعتدت النق، اعتدت رؤية العيوب والأخطاء. أنا بومة، لأنني أتطلع إلى عالمٍ متقن من بشرٍ يتقنون صناعة الأخطاء. ربّما صار اختصاصي الجديد، أجيده بحرفيةٍ عالية، أستمتع في سرده، أترقب نهايات الأشياء كما يروق لي، وكما ترسمها مخيلتي.

أنا ناقمة، تملأني النقمة على كلّ شيء، من اختصاصٍ هدرت فيه ثلاثة أعوامٍ من حياتي ولم أختبر إن كان يفيدني بشيء. من فرصة عملٍ تأخرت في قرع بابي تبدو تائهة عنّي، من شهادةٍ تحاصرني أرفض تعليقها على الحائط كي لا أسجن في حضرتها، لماذا نعيش في عصر الشهادات، والدراسات العليا، وسوق العمل، وآلية العرض والطلب. أنا ناقمة على بلدٍ أعيش فيه تسيطر على مظاهر حياته العنصر الذكوري، لا نساء في المدينة هذا ما تخبرنا به أزقتها وشوارعها. ناقمة على كلّ شيء، حياةٌ ترفض أن تنتظرني، تجري بسرعةٍ دون أن أتمكن من اللحاق بها، ألهث من دون أن أركض، ألهث وأنا مكاني.

أعود بالزمن إلى الخلف، لماذا لم أسمع لوالدي، لماذا رفضت نصيحته، ربما لأننا نلعب دور الأولاد، هكذا نحن نكره نصيحة تأتي من أبٍ أو أم، نرى فيهم أعداءنا، أشخاصًا لا يفهمون ما يدور في عقولنا، نعتقد أنّهم لا يعلمون عن الحياة خارج حياتهم، لكننا مخطئون، يعلمون كلّ شيء، فالحياة واحدة تدور كالدولاب، تعيد نفسها بتكرارٍ منتظم. أبّي قال لي بأنّ الصحافة ليست مهنة، هي فرصة. لم أصّدقه وقتها، لم  أقتنع بكلامه، فهو لا يفهمني، لا يفهم طموحاتي وأحلامي، لا يريدني أن أكبر… كم تكون أفكارنا طفولية حينها. دخلت الإعلام وكلّي آمال، دخلت الصحافة بأحلامٍ شامخة تسع كلّ قنوات العالم وجرائدهم. وها أنا ذا أقاتل طواحين الهواء، أبحث عن فرصةٍ تائهة، أجلس على محطةٍ بانتظار قطارٍ سريعٍ لا أريد أن أصدّق أنّه تركني.

لماذا لم يخبرني أحد بما ينتظرني، لماذا لم يخبرني أحد أنّ الشغف شيء وأنّ المهنة شيءٌ آخر، أنّ الهواية جميلةٌ وهي هواية، وأنّ العالم لا يحتاج إلى أكثر من عمل، إلى مهامٍ يمكنها أن تعود بالنفع عليه، وليس إلى مجرد تكديس كلمات. أريد أن أعمل، أن أتحسس شيئًا ملموسًا، أريد أن أرى نتيجةً أو تأثيرًا. من الصعب أن تظلّ في عالم من الأحلام، من الصعب أن تستمر في إقناع نفسك، بأنّ ما تقوم به شيءٌ مهم، شيءٌ يتوقف دوران الكرّ ة الأرضية عليه، فالقافلة تسير وقد تتركك وحيدًا ورائها هائمًا في الصحارى تبحث عن شيءٍ ما وكلّما حاولت إمساكه يتضح لك أنّه سراب.

“أعرف قدري ذات يومٍ سيقترن اسمي بذكرى شيءٍ هائلٍ رهيب…”، ولا تنسوا، أنا بومة.

Advertisements