كافكا ما يزال على الشاطئ

Posted on أكتوبر 3, 2011

0


الرواية عوالم، لا ترتبط بزمانٍ ومكان، لا تسأل عن منطقي وغريب، تنتقل بين الممكن والمستحيل، تجمع في أوراقها حياة أشخاص لا بد أن تتقاطع طرقاتهم. الرواية تسكن الحاضر، وتمطتي الماضي، وتحدّد المستقبل. تنقلنا ببراعةٍ بين الأحداث، تصدمنا، تتركنا معلّقين بين حقيقة الخيال وخيالات الحقيقة. تطرح فرضياتها، تنتظر من الزمن أن يمنحها أدلة. لكنّ لا أهمية للزمن فيها، تؤكد الرواية. 

الصبي يحمل لعنة. كافكا، الذي قرر في عيد ميلاده الخامس عشر أن يهرب من المنزل، مسكونٌ بقدر أقنعه به والده. يومًا ما ستقتل أباك وتعشق أمّك وتمارس الحبّ مع أختك. محمولًا بهذا المصير يهرب كافكاإلى منطقة بعيدة، حيث يعمل في مكتبةٍ أهلية  ليبدأ هنالك حياةً يعتقد أنّها جديدة لكنّها لن تكون إلّا امتدادًا يقوده إلى سلوك دروب الماضي وإلى الدخول في عوالم معلقةٍ بين الحياة والموت.

الرواية لا تخبرنا قصّة كافكا وحده، بل تسير على خط متوازٍ مع قصة عجوزٍ آخر هو ناكاتا، الذي فقد ذكاؤه وقدرته على التعلم نتيجة حادثة غامضة تعرض لها وهو صغير. ناكاتا يستطيع التكلم مع القطط، ويستطيع أن يجعل السماء تمطر ما يشاء، سمكًا أو أي شيءٍ آخر. يتورط نكاتا في جريمةٍ يكون ضحيتها والد كافكا الذي يتبين أنّه سفّاحٌ للقطط، يجمع أرواحها من أجل صنع مزمار ما يمنحه قدرةً معينة.

يستيقظ كافكا ليجد نفسه ملطخًا بدماءٍ لا يدري من أين جاءت، ويستيقظ ناكاتا ليجد نفسه نظيفُا لا تحمل ثيابه بقعة دمٍ واحدة من الجريمة التي ارتكبها. لا يدري أحدٌ ماذا حصل، لكن من هذه النقطة يقرر نكاتا الرحيل في مهمّة نعرف لاحقًا أنّها تتمثل بإغلاق فتحةٍ في العوالم التي تنتقل بينها الرواية، هوّة فتحت بين الماضي والحاضر وأحدثت خللًا في المستقبل، ومن أجل تصحيح الوضع ينطلق العجوز في رحلةٍ ستحمل تأثيرًا على كلّ أبطال الرواية، من أمينة المكتبة التي يحبّها كافكا ويتّضح لاحقًا أنّها أمّه، إلى كافكا نفسه الذي يعيش ما بين العالم الحقيقي وعالم الأحلام، ينتقل بينهما بحثًا عن ذاته.

يموت نكاتا بعد إتمام مهمته، وتعود أمينة المكتبة إلى عالمها الذي كان يجب أن تذهب إليه منذ عشرين عامًا، إثر قصّة حبٍّ مؤلمة جمعتها بشاب. أمّا كافكا فمن التجربة التي عاشاها، يختبر تحولاتٍ في نفسه جعلته أكثر نضوجًا وقدرةً على مواجهة الحقائق وعلى التعامل مع الحياة وظروفها وليس الهرب منها.

“كافكا على الشاطئ” رواية في الفانتازيا الأدبية، غريبةٌ في مجراها، تتركك مشدوهًا في أحداثها، تنتقل بين أبطالها تعيش معهم حيرتهم ورغباتهم ومخاوفهم وآمالهم.  روايةٌ تستحقّ أن تغرق في عوالمها. 

“كافكا على الشاطئ” رواية يابانية نشرت في العام 2002، لكاتبها هاروكي موراكامي.

وهاروكي موراكامي (12 يناير 1949) هو كاتب ياباني ومترجم، حاصل على عدة جوائز أدبية عالمية منها جائزة فرانز كافكا عن روايته “كافكا على الشاطئ”، كما وصنفته مجلة الغارديان على أنّه أحد أبرز الروائيين على قيد الحياة.

Advertisements