كثيرٌ من التعصب

Posted on أكتوبر 2, 2011

0


دفتر تلوين، هو كلّ ما تحتاجه لتربّي وحشًا. ترسم الدول مخطاطاتها، تضع فيه كلّ ما تأمل أن تحقّقه من أهداف ومصالح، ترفض أن يكون في عالمها مكانٌ لأشخاصٍ يختلفون في الأفكار والولاء، ترسم كلّ ذلك بتؤدةٍ وعناية، تغلف دفترها بأبهى الصور، كلّ شيءٍ مخطّط، يتعمّد توجيهك إلى هذه النقطة دون ذاك.

الطفل الذي ينتشل أقلام التلوين من محفظته، لن يتعامل مع قصّة خياليةٍ، أبطالها بضع حيوانات، الطفل سيرى القصّة كاملة، سيخبر الحقيقة، سيعرف من يحاربه، سيبني أعداؤه تلقائيًا في داخله. في البدء ستكون لعبة، مجرد لعبةٍ بريئة، لعقولٍ نظيفة، لن تعرف كيف تميّز بين الإرهاب وبين الدين، بين بن لادن وبين أيّ رجل ملتحٍ آخر. ستكيل تلك العقول بمكيالٍ واحد، ستتأصل الفكرة لديها، ستتمدد جذورها في أرواحهم، تلقائيًا سيعرفون أعدائهم، من يقطن في الجهة الأخرى من العالم، من يعتنق الإسلام دينًا، من يصلّي، من يرتدي ثيابًا لا تشبه ثيابه، من نساؤه متشّحاتٌ برداء، هؤلاء يريدون قتلنا..هؤلاء.

مقبرةٌ هي، فيها مدافن ونعوش، نعرف ساكينها، نعرف إلى أيّ ديانة ينتمون. هذه المقبرة ليست حقيقة، لحدّ الآن بل هي محضّ صورة تمخضّت عن عقول البعض لتكون رسمًا لنعل. الأخفاف التّي  ظهرت في محال تجارية تقع في منطقة محسوبةٍ على أكثرية مسلمة. الأخفاف التّي أصبحت قضيةً بحدّ ذاتها، أخرجت مئاتٍ من المسيحيين من بيوتهم ليتجمهروا احتجاجًا على إهانة رموزهم المقدسة. لا أحد يعلم من وراء القضية، هل حرّكتها أيادٍ سوداء، تعشق تأجيج الفتن ومشاهد الدماء، أم أنّها مجرد صدفةٍ سيئة الحظ لبضاعةٍ تأتي مشحونةً من بلادٍ لا تتعدّى الصورة فيها أكثر من كونها عنصر جذبٍ لفئة الشباب المفتون بالمشاهد السوداوية.

تعود إلى الذهن صور الرسوم الكاريكاتورية التي نشرت في صحفٍ دينماركية وتتناول في موضعها نبي الإسلام محمد، وما إثارته تلك الرسوم من موجات غضب في العالم الإسلامي، ومن تأجيج للنفوس وزيادة في الكراهية بين سكان العالم الواحد. لم تنفع فيها حجّة حرية الرأي والتعبير من امتصاص الغضب العارم، فمع الحرية تأتي المسؤولية، ولكلّ شخص في هذا العالم ما يراه مقدّسًا يستحقّ منه كلّ الاحترام، وما يرفض أن يدنسه ويحقّر من قيمته.

ليس من حقّ أحد أن يقيّم أفكار الآخرين أو أن يحكم عليها. ليس من حقّ أحد أن يسخر من رموز الآخرين، من الأشياء التّي يرون فيها وجهًا مقدّسًا يحترمونه ويجلّونه. العالم صار مليئًا بالصور النمطية،التي تفرض سطوتها على عقولنا، وتجعلنا نصدّر أفكارنا وآرائنا بناءًا على أحكامٍ مسبقة. لا يحقّ لأحدٍ أن يهين إيمان الآخر. بغضّ النظر عمّا يؤمن به الآخر، ملاكًا كان أم شيطان، علمانيًا كان أم دينيًا، كلٌّ يحمل في داخله ما يؤمن به.

العالم صار مليئًا بالتعصّب، بمن يتشبث بأفكاره ليعدم أفكار الآخر. لا يتوانى عن السخرية، لا يتردّد في سلوك أيّ دربٍ لتحطيم رؤى الآخرين. صار العالم خلايا لا تتداخل فيما بينها، بل تتقوقع على ذاتها، تنغلق، تسدّ أبوابها أمام كلّ غريبٍ، لا تعرف من هو الآخر، فالآخر لديها بعيدٌ لا يقطن معها على هذه الأرض، عالمها الذي لا يتعدّى مساحة بيتٍ أو قريةٍ أو مدينةٍ أو دولة.

العالم صار مليئًا بمشاعر الغضب، بمن لا يرى في الإطار الحضاري إلّا نفسه، بمن لا يسمع إلّا صوته. متى تنتهي قصص الإهانات المتبادلة. كيف نخرج من عصر الشتائم إلى عصر الاحترام المتبادل. كلّ هذه الكراهية،  وكلّ هذا الحقد لن ينتج عنه إلّا القسوة التّي ستكون أشدّ وأعتى على العالم من الزلازل والبراكين.

القسوة لا تنتج إنسانية، القسوة ليس فيها رحمةٌ ولا قلبٌ دافئ، تقتل بدمٍ بارد، ترتكب المجازر بالملايين دون أن يرتف لها جفن، لا ترى إلّا نفسها ولا تؤمن بالقدرة على العيش سوية. القسوة مدمرة، لن تجلب إلّا الخراب إلى هذا العالم. القسوة النابتة في قلوب الكبار، المزروعة في أفئدة الصغار ليست ما ترنو إليه الحضارة البشرية إن كانت تحمل في داخلها إرادة البقاء.

Advertisements