كافر

Posted on أكتوبر 1, 2011

0


أنت كافر، نعم، أنت كافر. هكذا تقرّر أن تثور على من تحمّل عبأ الحكم عنك. تتجرأ على ولي أمرك بالحقّ، ترفع صوتك في حضرة حاكمٍ هو ظلّ الإله على الأرض. أنت كافر، لا تؤمن بحتمية التاريخ،تعبث بمنطق الحاكم والمحكوم، ترفض الصبر على القدر، لا تقتنع بصوابية الأمور، لا تفكّر بعواقب ما تطالب به، لا تحتمي بأقرب حائط أو تبحث عن سترة. ليس خبزك حفنةٌ من طحين، لا تنتظر منهم حقًّا هو ببساطةٍ ملكك، لا تشتري شرفك، لا تعرض في المزاد كرامتك. أنت كافر، لأنّك قررت أن تثور، لأنّك كرهت حاشية السلطان ورواته، لأنّك مللت الكلام عن عدلٍ ومساواةٍ وعن محاربة فسادٍ هم وبكلّ وقاحةٍ أباطرته.

أنت كافر، لأنّك قررت أن تستبدل من ينهش لحمك ويمتصّ دماك، تكره كلامهم وأنفاسهم اللاهثة وراء المصالح. تكره سيطرتهم على جميع مرافق حياتك، تكره أولادهم وأبنائهم وزوجاتهم، ورائحتهم النتنة التي تفوح عند كل زاوية. أنت كافر لأنك تبحث عن وطنٍ يعترف فيك كمواطن، كشريكٍ أساسيٍّ في الحكم، كآمر لا مأمور، كإنسانٍ لا رعية. أنت كافر لأنّك بدأت تعي حقكّ بالكلام، اكتشفت السرّ الذي خبّأووه عنك طوال قرون، لا قدسية لظالم، أنت كافر، وأنت من يحدّد القدر، لا شيء مكتوب، أنت وحدك من يختار ويقرر، أنت وحدك من يبني الخوف، من يجعل من حثالةٍ فراعين تتسلّط على رقبتك ورقاب غيرك.

لا بأس في أن تكون كافرًا وحر، لا بأس في أن تكون كافرًا تعيش بكرامة، لا بأس بأن يكون دينك الثورة. لا أحد يملك مفاتيح الجنّة، لا أحد يملك وكالةً حصريةً عن الربّ ليصدر قوانين وشرائع. من حرّم الثّورة لا يفقه شيئًا عن الدين، لم يقرأ قرآنًا ولا تاريخ، لا يعرف أنّ الدّم النازف في سبيل نهج الحقّ لا بدّ منتصر، يجهل أنّ لا قدسية لرئيسٍ يعبد كرسيه. من حرّم خروج الناس إلى الشوارع لإسقاط من يشتريهم ويبيعهم وفقًا لبعض مصالح، خان أرواح مئات الأبرياء الذين سقطوا فداءًا للثّورة.

الثّورة ما زالت قادرةً على التوّهج، رغم كلّ ما يعتريها من انتكاسات، ورغم كلّ ما يقف في طريقها من عوائق ما زالت تملك القدرة على التنفس وعلى إحياء روح الجماهير. الثّورة لم تنطفأ بعد، جذوتها تتوقد بين الحين والحين، تسخر من وعّاظ السلاطين، مِن مَن يبيع كلامه في المدح والترهيب. ترفض تنظيرًا يقابلها به من يسعى وراء غنائمها من دون أن يتشظّى بنارها. تأبى أن تكون أسيرة لمطامع وخيالات. هؤلاء ليسوا أبناءها، تقول الثّورة.

أبناء الثّورة لا يكلّون ولا يتعبون، صامتون هم، صامدون، في عيونهم يسكن بريقٌ يأبى أن ينطفأ، في قلوبهم يعشّش الأمل، يلوح لهم بصيصٌ من نورٍ في آخر النفق، لا يهمّهم إن كان مجرد سراب، لا يهمهم إن كان ما يبنونه في نظر البعض مجرد قصورٍ من الأحلام، لا يهمهم ما يقوله الآخرون عنهم، جزّارون أو ضحايا. ما يعنيهم فقط هو هدفُ واحد زرعوه نصب أعينهم، خلّدوه في أنفسهم، ترقص له أرواحهم، ما يعنيهم الآن هو إسقاط النظام بكلّ ما فيه من رموز و بكلّ ما يحمله من شعارات.

Advertisements