خارج المكان/ وردةٌ على قبر إدوارد سعيد

Posted on سبتمبر 26, 2011

0


دمعةٌ تقفز على وجنتي، أكفكها على عجلٍ كي لا يراني أحد. أبكيك أنا وأبكي الوطن الذي رحل معك. لماذا يموت الأبطال في بلادي باكرًا، يرحلون كأنّهم على موعدٍ مع الموت كتبوه منذ الأزل، لماذا يغيبون دون أن يلتفتوا إلينا، يتركوننا نتخبط مع كائناتٍ  لا تمتّ إلى الإنسانية بصلة.

فلسطين التّي حلمت بها وطنًا لم تولد بعد، مخاضها المتعسّر يأبى أن يصل إلى نقطة الخلاص. لم يتغير شيء، ربّما دخلنا في عصر الثّورات، ربّما استيقظنا من سباتٍ عميق فرضته علينا الأنظمة والحكومات، ربّما بدأنا نتململ على واقعنا المخجل، نرغب في التقاط أحلامٍ ظلّت تغافلنا لتهرب بعيدًا.

خرجت من المكان وها نحن نلحقك، لعنةٌ هو ذاك الوطن، طلاسم لساحرٍ  لم يفقه أحدٌ معناها بعد. سأخبرك بما حصل، من اليوم الذي أدرت فيه ظهرك ومضيت، خبرنا الكثير من البروق والرعود، مازلنا نفاوض على حقّنا بأرضنا، نتنازل شبرًا شبرًا عن حبيبات التراب، علّنا نحصل على علمٍ يرفرف أمام هيئة الأمم، نبحث عن العلم لا أكثر، علمٌ يتظلّل تحته ملايين اللاجئين الذائبين في شتّى الأصقاع. نتناسى الأرض التّي تضجّ بالمستوطنات، نغمض أعيننا عن ذلٍّ نختبره يوميًا، الضفة وغزّة كلّ ما تبقّى لنا من دولة فلسطين، غير أنّ كلًّّا منها يتبع لشريعةٍ معينةٍ في الحكم لا تلتقي مع شريعة الآخر. مذ رحلت زاد الانقسام، وتشتّت القلوب، لم تعد إسرائيل وحدها من يقتل.  

أرغب في أبكي، فمثلنا لا يملك أكثر من البكاء، يتوّهم أنّه يقطن في حريةٍ، يعيش في عالمٍ من الآمال، يحارب بحجر، يدفن الموت تحت أنقاض منزله، يقبّل أخاه قبل أن يواريه الثرى، مثلنا يكبر مع الحلم، يسقي أطفاله ألم الماضي وأنين الحاضر، يبحث في عيونهم  عن مستقبلٍ يقبل به غامضًا. مثلنا يعلم أنّ الأرض تباع ويرفض أن يصدّق، يعلم أنّ من ولّاه حاكمًا عليه يساوم على روحه بحفنةٍ من مال، يشتري كرسيّه بأرواح الشعب، بدماء الأطفال، بأمل الكبار، بأحلام الصغار. مثلنا يرغب في أن يصدّق كذبة السلام، يرغب في أن يحاول حتّى يصل إلى حائطٍ مسدود، إلى جدارٍ بناه محتلٌ ليخنق فيه من بقي من أصحاب الأرض.

أرغب في أن أحلّق معك خارج هذا المكان، فقد أرهقنا المكان كما الزمان، زمن الكلاب التّي لا تتقن غير لغة النباح، زمن المجرم الذي يتشدّق بالسلام، زمن العار يخطب بلغة الشرف، زمن الوطن الذي يتحوّل إلى جحيم، زمن الأخ الذي يكون عدوّك، زمن الدم الذي يجري دون حساب، زمن الحياة للموتى والموت من نصيب الأحياء.

ليس مكانًا هو ما نعيش فيه، إنّها مجرد كوميديا سوداء، مكانٌ انقلبت فيه المعايير، مكانٌ يجعل من في قبره يرقد حقًّا بسلام.

Advertisements