جردة حساب أو من سرق الربيع

Posted on سبتمبر 26, 2011

0


الكلّ يتحدث عن الربيع، ولم ينتبه أحدٌ إلى أنّ الخريف هو من يطرق الباب ليتبعه الشّتاء. الكلّ يتأمل في جمال الربيع وإشراقة الربيع وسمائه تتكدّس من فوقه سحاب. أين الربيع الذي يتحدّثون عنه، من سرقه أو خبّأه خلف الجدران. اختفى الربيع من رزنامة الفصول، ربما حرد لكثرة ما حمّلوه من أحلامٍ وآمال، ربما قرر الرحيل بعدما شهد حمّامات الدماء تسفك في حضرة اسمه وله فداء. الربيع قرر الغياب، أتعبه نزف القوم، أرهقته ساحاتٌ تعجّ بالنفاق والخيانة، تمتلأ بالكلام والتنظير، تهللّ لكلّ من رأى في نفسه نصف إله أو أكثر. وضّب أغراضه، خبّأ ثروته المتواضعة في جيبه، بضع ابتساماتٍ، ورونقٌ وبداياتٌ جديدة وكلّ ما يخطر على بالك من أشياء جميلة، أعدّ ما يمكن من زادٍ خوفًا من دربٍ فارغ، الربيع هرب، الربيع هارب، هروّل خائفًا من شعوبٍ علّقت كلّ ما تملك بمرساته. شعبٌ يبحث عن دولة، شعبٌ يرغب في دولة، شعبٌ يبني دولة.

ذهبت أبحث عن الثّورة في البحرين، عن قبضاتٍ مرفوعةٍ وصرخاتٍ تخرق جدران القصور لتهتزّ لها عروش الملوك، وددت لو أرى ضياء اللؤلؤة في الساحات، لو أسمع كلماتٍ أقوى من رصاصٍ يحاول إخمادها دون أن يفلح، لتزداد به قوّةً ونار. هل سمع أحدٌ عن البحرين، تلك الجزيرة الصغيرة التي تبحث عن هوية، الثّورة كانت هناك، تحمل أوزار الدماء، جرحى وقتلى وصوامع تهدم فوق الرؤوس. الموت وكاتم الصوت هنالك يجتمعون على حدة، وإن عادوا إلى الساحات، عاد ت الدبابات والأسلحة، الشعب يريد إنهاء الشغب، هكذا تقول إحدى اللافتات، ليليها أخرى مكتوبة بخط اليد وعلى عجل، الشعب يريد إسقاط النظام، فليسقط يسقط خليفة.

اليمن السعيد لم يعد كذلك، صار يلملم أشلاء قتلاه المنتشرة على الطرقات، حفلة إسقاط النظام لم تثمر إلاّ حربًا تكاد تكون أهلية. دموية أضحت الثورة في اليمن، حمراء اختلطت بها دماء الأبرياء بدماء العسكروالأنصار. علي عبدالله صالح عاد رئيسًا بعد أن خرج منه جريحًا، عاد رغم جموع المحتشدين التي تعبأت في الساحات، وكأنّ من كان يهتف لم يصدر صوتًا وكأنّ الحناجر لم تنجرح من كثرة ما أطلقت من صرخات. المذابح بدأت، الشعب يقتل، الموالي يقتل المعارض، أو العكس لا فرق، والرئيس جالسٌ على كرسيه، بهيئة المظفّر يرى في عودته انتصارًا على إرادة شعبه.

لم يحن وقتك بعد سوريا، مازال ينتظرك المزيد من سفك الدماء. المصالح لم تينع بعد، لم تنضج كما هو مخطّطٌ له. سوريا الغارقة في أحداثها، المتخبطة في مجرى الثّورة، تلعب بالنار، بأرواح ناسها وشعبها. الرئيس يختفي خلف أسوار قصره، يختبأ بأمنٍ وأمان، لا يتّذكر حديثًا عن إصلاحاتٍ ولا برامج لمكافحة الفساد، الرئيس تعب من كثرة ما تكلّم وما أصدر من وعود، ومجالس المعارضين تعجّ في الخارجين، تقبل بتدخّل أجنبي على أرضها، تساوم بالحرية والكرامة، لا تمانع احتلالًا باحتلال، تتكلم باهتراء، بدونيةٍ باستحقار، ومازال الشعب في سوريا يطالب بإسقاط النظام، رغم كلّ ما صار من اختلاط للحقائق والوقائع والأحداث.

الثورة في مصر لم تعد جميلة، ارتدت حلّةً عسكرية وقناعًا من الشرعية، وتجرأت على فرض نظام الطوارئ. الثّورة في مصر هزأت بالثّوار، بملايين من نزلوا وتجمهروا في البرد لإسقاط من قبع على قلوبهم وعقولهم مدّة ثلاثين عام.  الثّورة تهزأ بالثّوار، وكأنّ لا ثورة حدثت، فالفرعون ما زال يحكم من خلف قضبان زنزانته، وما يزال ظلّه حرًّا طليقا يرهب الشعب المقتنع بأن ربيعه قد حل.

جماهيرية ليبيا أضحت جمهورية، وثوراها يلاحقون رئيسهم السابق إلى آخر زنقة. جمهورية تولد من رحم  أخرى لم تكن مفهومة، تبحث عن نظام يناسبها، تحاول الهرب من عيون طامعة فيما تملك، تلتفت أمامها وورائها وعلى جنبها لتلاحظ أنّ الدول بمقبعها تحاصرها، تحاول أن تكون أكثر انتباها قبل أن تنجرف، لكن للدول الكبرى مصالح وعليها فقط أن تساير المصالح لتستطيع أن تحلم بالدولة.

فلسطين التّي ستولد من رحم المفاوضات لن تكون دولةً طبيعية بل مشوّهة الأطراف، فلسطين الدولة الكاملة بحبيبات ترابها صارت مجرد كلامٍ وأوهامٍ في عقول كلّ متمسكٍ بحقّ العودة ومفاتيح الدار. ربيع أبو عباس هو ما سيحصل، لا ربيع لفلسطين بعد الآن، سلامٌ على الأوراق، وكثير من الكلام الذي أعدم وطنًا وحلمًا للاجئين الساكنين الأرض المنتظرين لبلادهم أن تعود دون قتال. دلوٌ من الماء يرميه كلٌّ منّا قد يغرق كيانً غاصبًا يتكلّم بوقاحةٍ عن حقّه المشروع منذ آلاف القرون في تراب القدس.

هاكه الربيع الذي ننتظره، هاكه الربيع.

Advertisements