أحجية الطفل والرجل

Posted on سبتمبر 21, 2011

0


الطفل في القصّة يعرف كيف يكذب، الطفل الذي يروي لنا حكاياتٍ عن الحبّ والظلام ليس محض خيال بل حقيقةً مرّة. الطفل الذي ولد هناك، لم يأتي بطائرة ولم ُيبحر على متن مركب، لم ينزل من السماء. هو هناك يسكن مع والديه، يملك حياةً تكبر في قلب القدس، يتحدّث كما لو كان حاضرًا منذ الأزل، الطفل الذي استطاع أن يبكيني، وقد يبكيك أنت، وتابعت كلماته وهي تتكرّر على الصفحات، حتّى أصبحت تتطن في أذناي، يكرّر ويكرّر، يكثر في الحديث عن أبيه المتعلم المثقف الغارق في عالم الكتب والجامعات. الطفل الذي يشتاق إلى أمّه التّي أهدت روحها للحياة، نامت دون أن تستيقظ مجدّدًا مخلفة ورائها عائلةً وأعمالًا منزلية تتجدّد كلّ صباح. الطفل الذي يتحدّث لا يذكر أنّ الأرض لم تكن أرضه، لا يتكلّم عن شعبٍ آخر كان يسكن فيها، يظهر الفلسطيني في خطابه كخيال، لا وجود له في عالمه، لا اتّصال يربط بينهما، لا شيء يجمعهما، الطفل في الرواية يهودي، يعيش في دولةٍ تسمى إسرائيل، يلتقي بأناسٍ يتكلمون العربية كما يتكلم هو العبرية، الطفل يعيش على أرضه، هذا كلّ ما نفهمه وما يفهمه العالم معنا.

الرجل العائد إلى رام الله يعبر الجسر، الجسر ضرورة ملحّة، حاجة ماسة لتكتمل خطوط التراجيديا. الرجل يعبر الجسر إلى وطنه، عائدًا بعد عقودٍ من الغياب القصري، كلّ ما يذكره عن تلك الأرض هو رسم مخيلته، رسمٌ  بإيحاءٍ من رائحةٍ أو طعمٍ أو منظر. هو يذكر البساتين الخضراء، يذكر شجرة التين، وساحاتٍ لمنزل تعجّ بالساكنين. الرجل يعبر الجسر، يطأ بقدميه أرضًا من المفروض أنّها أرضه، لكنّه يشعر بالغربة، لا يقدر على الحديث مع أناسٍ يفترض أنّهم أهله، يجد نفسه بعيدًا عن عالمهم. الرجل يعبر الجسر إلى المدينة، ليجدها كما هي، كما تركها قبل أعوام، لم تتغير معالمها، ماتزال في مكانها، ربمّا تمددت قليلًا، لا أكثر. المدينة هنالك هرمت، كبرت أعوامًا ولم يجمّلها أحد، لم  ينظمّها أحد، عشوائيةٌ هي في حركتها وناسها، تنتظر موتًا على الأرجح. الرجل ذاك، لم يصدّق أنّ البلاد التي كان يحلم بها ستكون غريبةً في وقعها على قلبه، لم يحسب حسابًا لمدينةٍ لا يلتفت إليها قاطنوها لأنّهم مشغولون عنها بلقمة عيشٍ أو حماية روح. البلاد الحلم كانت سرابًا، البلاد الحلم أسطورةٌ علقنا بين فكيّها، لم نعرف أنّ المدن كما البشر قد تهرم وتعجز وتموت.

ما بين الطفل والرجل فارغٌ واسع، لا شيء يربط بينهما، لا حبلٌ ولا جسر. الطفل ينتظر حياةً، والرجل عاش حياةً بانتظار موت. الطفل والرجل حقيقتان، يعيشان في عالمنا، يسكنان البقعة ذاتها وهما يعلمان. الطفل يعيش في دولة، والرجل يبحث عن دولة، ودولة ذاك هي نفسها دولة الآخر، أحجيةٌ يصعب حلّها، متاهةٌ دخل الجميع في دوائرها، منذ ثلاثةٍ وستين عامًّا دون أن يعرفوا من دربٍ للخروج.

Advertisements