المخيم ما يزال هناك

Posted on سبتمبر 16, 2011

0


الصمت والموت متلازمان. يمشي الموت بسكون، يهبط على المنازل والسّاحات، يرفض أحدٌ أن يعيره انتباهًا، يتجنب الآخرون الخوض في حديثٍ يشمله، يكرهه الجميع، لكنه رغمًا عنهم حاضرٌ معهم، وبقوّة. الموت بصمت، كما استسلام الضحية لقاتلها كالمؤمن بصوابية القدر، كما إيمان القاتل بشرعية جريمته، يتفق الاثنان على سماوية الأهداف، لا أحد يبرر الموت إلّا بعد تحقّقه، لا أحد يندم على الصمت إلّا بعد وقوعه. يستسلم الكلّ لرهبة الموت، لهيبة السفّاح يحصد ما وكّل إليه من أرواح.

لا يحتاج القاتل ليتذكر، لا يحتاج القاتل أن يستعيد مجرى الأحداث ليوافق من يحاسبه على هول ما ارتكب، فالجريمة وإن غدت بعيدةً ماتزال ترتسم في حياته بقوّة، لا يقدر أن يخرج من خلف قضبانها، لا يقدر أن يتجاهل الصمت، يحاول أن يهرب منه إلى عالمٍ أكثر ازدحامًا وضجّة، إلى مكانٍ لا يسمع فيه صدى لأي ذاكرة. يحاول أن يستجمع ما تبقّى في داخله من حسّ الإنسان، ينظر إلى أطفاله، فيرى فيهم أطفال المخيم، يتساءل ما الفرق بين أنفاسهم وأنفاسٌ أخمدها ذات يومٍ أيلولي اجتمعت فيه نسمات الخريف ببرودة القلب.

يبرر لنفسه، هؤلاء الأطفال، لم يكونوا أطفالًا بوجودهم الحقيقي، هؤلاء مجازًا كانوا رجالًا لمستقبلٍ سيأتي. وأولئك النسوة اللواتي التحفن الأرض، وتكومن فوق بعضهن البعض لم يكن مجرد نساءٍ، يعشن خارج معادلة الحرب والموت، كنّ أمهات لرجال قادمون أو قدموا لا فرق. الموتى كالأحياء، يقبلون العيش ضمن جماعات، يتوارون تحت تراب الأرض، يرفضون النسيان تمامًا كالأحياء.

العالم لا يهتزّ إلّا بعد ارتكاب الجريمة، يرفض أن يتدخّل لإنقاذ الأحياء، لكنّه أول من يأتي لتأبينهم. العالم اهتزّ قبل ثمانيةٍ وعشرين عامًا، أرعبته صورة القتل البارد، يوم رأى أناسًا أشبه بوحوش، يذبحون البشر كما لو كانوا نعاجًا. صدمةٌ، ما عاناه العالم، صدمة الجثث المكوّمة على الطرقات، صدمة الرائحة التّي وصلت إليهم عبر شاشات التلفاز. كيف يكون الموت هكذا، هادئًا صامتًا، يتسلل إلى مساحةٍ تضجّ بالحياة، كيف يكون الموت مفزعًا مقبولًا من أطراف، كيف يجرأ القاتل أن يتكلّم، أن يفتح فمه ليأبنّ شهداؤه، أو أن يدافع عن جريمته بحجّة البقاء.

رقصةٌ على وقع تساقط شلّالات الدماء، رقصةٌ على أجسادٍ ضعيفةٍ اغتصبت وقتلت في العراء. جيلٌ مر، والقاتل ما زال لا يخجل من ذكرى مذابحه الملحمية، جيلٌ مر والقاتل ما زال يدافع عن جرائمه، لم يحاسبه أحد، لم يُعدم، لم يُسجن، لم يعتذر حتى من أمواتٍ جلّ ذنبهم أنّهم يتبعون لدولةٍ تحارب الشيطان وتقتل حلفاؤه. جيلٌ مر، ولم تنبت المذبحة على أرضها غير الكره و متلازمةٌ تسمى عقدة الضحية.

المخيم ما يزال هناك، تمامًا على حاله، لا ينقصه سوى الكم الهائل من الأجساد، لا يفتقد غير الصمت. المخيم ما يزال هناك، يحمل اسمه كما كان، لم تتغير أحوال قاطينه، لم يبذر اهتزاز العالم أيّ حياة، لم ينعكس هول ما جرى عليه ليمحو ما فات. المخيم ما يزال هناك.

Advertisements