يوم تغيّر العالم

Posted on سبتمبر 11, 2011

0


عشر سنوات مرّت على ذلك اليوم، أنظر خلفي فأجده كما لو كان البارحة، بكلّ ما يحمله ذلك الوقت من قتلى وجرحى ودمارٍ وانهيارات. عشر سنوات نقلتني من مرحلة الطفولة إلى الرشد، من عالمٍ عادي إلى مخاضٍ لولادةٍ لا تنتهي. عشر سنواتٍ كنت فيها تلك الطفلة التّي تشاهد التلفاز، وترى المباني تنهار دون أن تدرك أنّ العالم يتغير، كانت أميركا بعيدةً بالنسبة إليها، عاليةً عن أحلامها كما مبانيها الشاهقة. عشر سنوات أيقنت فيها أنّ العالم قد ينهار بلحظة، وأنّ الحياة قد تكون مسرحية، بفصولٍ متعددة، رغم ما فيها من موت.

ما زلت أختزن بذاكرتي صورة الطائرات التي اخترقت البرجان، ولحظة الانهيار، والدهشة التّي اعترت كافة الوجوه دون استثناء. كانت لحظةً مفصلية صاغت معالم المرحلة التّي تلتها، نقلت أميركا بكلّ هيبتها إلى بلادنا، صارت معها موجودةً بحق بعد أن كانت مكتفيةً بتحريك أحجار اللعبة من خلف ستار.

عشر سنواتٍ عشنا فيها مع الحيرة لتعريف مصطلح الإرهاب، طغت على حياتنا هذه الكلمة كما لم تفعل أيّ كلمةٍ في تاريخ الحضارات. عقدت من أجلها المؤتمرات، استنفر لها أصحاب الفكر والقرار. يأسوا من تفسيرها، بمن يشملونه تحت ألويتها. هل الإسلام هو الإرهاب، هل من يطيل ذقنه هو الإرهاب، هل من يقاتل إسرائيل هو الإرهاب. كالوا العالم فيها بشتّى المكاييل. قسّموا الدول لأجلها إلى محاور من الشر والخير. قتلوا فداءًا لها، صاروا أكثر إرهابيةً من الإرهاب الذي أعلنوا الحرب عليه.

كم كبرنا في هذه العشر سنوات، كم عرفنا من مناطق وبلاد، كم حفظنا من عواصم ومدن وشخصيات. قندهار، كابول، جبال تورا بورا، الفلوجة، البصرة، بغداد. كم انفضحت أمامنا من أسرار. مع كلّ يومٍ ابتعدنا فيه عن ذلك التاريخ، كان العالم يزداد قباحةً وعنصرية، يغرق في مصالح ومخطاطات، يحمي بروحه ذهبًا أسود ويرمي تاريخ وحضاراتٍ وآثار. أذكر كيف سقطت بغداد، وكيف نهبت بعد ذلك على أيدي مواطينها، كيف سرقت متاحفها، على مرأى من ادّعى إنقاذها من المجرم السّفاح.

عشر سنواتٍ مرّت، ازداد العالم فيها جنونًا وعنفًا وظلمًَا وضياع. اختلط مفهوم المقاومة وحقّ الشعوب في الدفاع عن أرضها من غاصبٍ محتل بالإرهاب. من يريق دماءً فداء تراب الوطن وضدّ المعتدي صار إرهابيًّا، أمّا من يقتل الملايين من الأفغان والعراقيين، ويشرّد الملايين أيضًا، دفاعًا عن حقائق يتّضح زيفها مع مرور الزمن وحده المحقّ والمنتصر.

عشر سنواتٍ تعرفنا فيها على كثبر من الوجوه، صاروا جزءًا من حياتنا وتراثنا المخزون، أسامة بن لادن والملّا عمر والزرقاوي والظواهري، كلّها أسماءٌ تركت بصمةً دموية لن تمحى بسهولةٍ من تاريخ العالم. عشر سنواتٍ تعرفنا فيها على سياسة الاستعمار الجديدة، على المحافظين الجدد، خبرنا الحلم الأميركي في غوانتانامو وأبو غريب. صار العالم ساحة حربٍ كبيرة، حلبة انتقامٍ ممن يخالف السياسات الجديدة.

عشر سنواتٍ صار العالم فيها أقلّ أمنًا وأكثر دموية. مليارات تصرف على طائراتٍ ودبابات، ويموت آخرون جوعًا لأنّهم أخفقوا في البحث عن رغيف خبز. من 11 سبتمبر بدأ الانحدار، ولا يُعلم متى نصل إلى القاع.

Advertisements