إحساس بالإهانة

Posted on سبتمبر 9, 2011

0


الحياة هي في مكانٍ آخر، بالتأكيد هي في مكانٍ آخر، لا يمكن أن تكون على هذه الأرض، لا يمكن أن تقبل بهذه الكمية من الظلم والحقد والكراهية، لا يزيّن وجهها ألوانٌ من عذابات الشعوب، لا تلبس في رأسها تاج التّسلط والهيمنة والملك.

في هذا العالم ما يثير الأسى والبؤس، ما يبعث على اليأس، ما يضيّق الخناق عليك، يزيدك ثقلًا إلى ثقل. على هذه الأرض من يرفض التغيير، من يلتصق بالذّل، يطأطأ  رأسه خوفًا من مهانة، يختبأ خلف إصبعه، يتمترس في ظل الخنوع اتّقاءًا من نور الحقيقة.

في هذا العالم، بشرٌ لا يدركون كنههم، لا يفقهون لحقيقة الأمور، يغرقون في طيبة قلوبهم، يصدّقون ألسنةً تعودّت الكذب والنفاق. في هذا العالم من يحلم، من يرفض رمي الأمل في مزبلة التاريخ، من يتشبثّ بأمنياته بعناد طفل. في هذا العالم من مازال ينظر إلى النصف الملآن من الكوب، يؤمن أنّ الوضع سيؤول إلى الأفضل، يتفائل في النفق المظلم، يصدّق أنّ الدّم سينبت زهرة وأنّ الثّورة ستبقى حيّة تضيء عتمة لنفوسٍ وقلوب.

سنبقى نعيش في عصر الإهانة، نغوص في بحرٍ من الذل والقهر، نبرّر أخطائنا بغدر الآخرين، نبحث عن مؤامراتٍ ومخطّاطاتٍ تدبّر لفشلنا. سنبقى نعيش في قاع العالم، نتجوّل مع الفقر والأميّة، نلبس المظاهر دون المضامين. تضغط علينا عقدة العالم الأول، تأكل أحشائنا الغيرة، لا نعرف كيف نصل إليه إلّا بالذوبان في حضرته.

إحساسٌ بالإهانة من ثورةٍ جميلة  أُسرت خلف قضبان مجلسٍ عسكري يكاد يُنزل بها حكمًا بالإعدام. إحساس بالمهانة من زمنٍ تشبه معالم ماضيه صورة مستقبله، يخاف فيه القلم من كلمةٍ تنزلق دون قصدٍ عن صاحبها فتودي به إلى عتمة زنازين ظنّ البعض أنّها سقطت مع النظام. إحساسٍ بالمهانة من شعبٍ يخاف محاكمة جلّاديه السابقين، فراعين عاثوا في وطنه فسادًا وظلمًا ومحسوبية واليوم تراه يرأف بمشاعرهم، يخاف من قتله وخنقه وحكمه بقبضةٍ من حديد، لا تستحي أيّها الشعب فحكمٌ بالموت قد  لا يكون بحقّهم كافيًا.

إحساسٌ بالإهانة من رئيس يدّعي العروبة والعنفوان، يجعل من جثث شعبه حطبًا يُشعل به قضية الممانعة والمقاومة، يتاجر بدماء من قتلهم لشراء كرسيٍّ ورثه عن أبيه، لا يمانع حربًا أهلية، لا يخجل من أنهار دماءٍ تجري في شوارعه، يرفض أن يستسلم لشعبه، لا يقبل أن ينصاع لهم، تأخذه أحلامه بعيدًا فيرى في نفسه منقذًا للعالم أجمع، وحصنًا إذا ما انهار كان الموت فداءًا له أرحم. إحساسٌ بالإهانة من مثّقفٍ يتشدّق بالكلام من خارج ساحة الثّورة، من شعبٍ لا يعرف كيف يمنع نفسه من الانزلاق في جحيم التقسيم، إحساسٌ بالإهانة من عسكرٍ يستقوي على المواطنين بدبّاباتٍ لم تطأ أرض الجولان كما وطئت بسلاسلها جثث الثائرين.

إحساسٌ بالإهانة من رجلٍ يبيع شعبه في سوق الأمم، يظنّ نفسه مكمّل المسيرة، ورائد السلام، ومن استطاع تحصيل الحقّ الضائع بعد ثلاثةٍ وستين عام. يساوم على الوطن بحفنة من مال، يتاجر كما  لو كانت البلاد قطعة أرضٍ ورثها عن أبيه، كما لو كنّا في مزادٍ علني لبيع الأوطان. ذاك الرجل يظن أنّ الأرض بما عليها من ناسٍ ملكٌ له، نصّب نفسه رئيسًا لا يقهر، ساوم على كلّ شيء لقاء كرسي، فضّل التقسيم، حارب كلّ ما لا يخطر ببالك إلّا إسرائيل. إحساسٌ بالمهانة من قضيةٍ تستعصي على الحل، من قدسٍ طال أسرها وصارت مجرد كوفيةٍ تلتف حول الأعناق أو شمعةٍ تُضاء في حلقة مساء.

إحساسٌ بالإهانة من الشعوب التّي قبلت أن تُحكم بهكذا أطقمٍ لمدّة أعوام، لم تجرب يومًا أن تخلع عنها هذا الرداء، تمشي خلفهم كالعميان. من هؤلاء أيّ قطيعٍ هذا الذي يحكمنا أيّ بشر، من يقتل من يفاوض، من يصافح من يعترف، من يخون من يبيع. أيّ عالمٍ هذا الذي نعيش فيه، أيّ ثورة هي التّي أعلناها.

أحساس بالإهانة لمن ارتمى في أحضان العدو بعدما لم يجد كتف صديق، لمن قبل أن يمدّ اليد لقاتل،  لمن تعوّد الذل، لمن قبل بالممكن ولم يطلب المستحيل.

Advertisements