قلق عربي

Posted on سبتمبر 6, 2011

0


بعد جهدٌ جهيد تململت الجامعة العربية، استفاقت من سباتها الذي أعلنته مع انطلاقة الثّورات، منذ أضرم محمد بوعزيزي النار في جسده. لم يحركها تدخّل عسكري غريبٌ وغربي في ليبيا، لم يهتز جفنها من مناورات تركية. كانت راقدةً آمنةً مطمئنة، تترك الأمور تسير في حتميتها التاريخيّة، لا تزعج نفسها باستياءٍ أو تهديد، لا تنغصّ مجرى حياتها الرتيبة باستيقاظات الشعوب. هكذا هي، كانت وستبقى، آخر من يعلم وآخر من يصدر من فمه كلامٌ يدين أيّ نظام.

الجامعة العربية قلقة، تنتابها مشاعر غير جيدّة حيال الوضع في سوريا. ترى أن كمية الدماء المسفوكة قد ازدادت معاييرها عمّا هو مسموحٌ به عربيًّا. تتخوّف من أنّ النظام قد بدأ يفقد سيطرته على الأمور، تصل إلى مسامعها أخبارٌ عن اقتحاماتٍ واحتلالات، عن أجسادٍ تهرس تحت سلاسل الدبابات. الجامعة العربية تسمع عن وضعٍ يتدهوّر نحو جحيم حربٍ قد تكون أهليةً أو طائفية، لا تدري، المهم أنّها أعلنت قلقها ممّا يجري.

فلتصمت تلك الجامعة العربية، فلتغلق أبوابها، وتوصدها، علّها لا تدخل أخبارٌ عربية جامعةٌ إلى حرمها. لم تعرف يومًا كيف تتحرك، ما كانت لسانًا جامعًا بين طلّابها، بل صرحًا للبلاهة والتحدي، جدرانٌ يجتمع خلفها حكّامٌ أكلوا من لحم الشعب، شربوا دمائه، ثمّ اختبئوا خلف الشاشات، يتبجحون بأحلامٍ وإصلاحات، وإذا ما انطفأ التلفاز، خلدوا للنوم وللراحة.

قلقٌ عربيٌّ آخر يبديه المثقّف، تزعجه أوضاعٌ تجري في سوريا، يتحدّث عن انحرافٍ في المخطّطات، عن وعيٍّ ممسوحٍ تتميّز به الثّورة، تقلقه أسماء الجُمعات، تستفزّه رصاصةٌ أطلقت بدلًا من وردةٍ بيضاء. المثقّف لا يدري أنّ من بقي في الوطن يختزنون أعوامًا من ذلٍّ وعنف، تسكن في ذاكرتهم أهوال النظام والمخابرات، هم من صمتوا على مضضٍ احتفاظًا بالخبز. من بقي في الوطن كانوا إمّا أتباع النظام أو أتباع  الرغيف، وإذا ما انفجروا تدفق من أعماقهم فيضٌ من العذابات.

المثقف الذي بنى حياته في الخارج، بعيدًا عن ظلال النظام، ويجد من الوقت الكثير لبناء الفرضيات وللتنظير. المثقف الذي تتواصل معه كلّ المحطات الفضائية، ويلمع اسمه في محافل الدعم الدولية، يرعبه أنّ الثّورة تتأرجح بين السلمية والدموية، يرى جيشًا يحاصر شعبه، يقتله كما لو كان مندّسًا وعميلًا وخائنًا لصالح مؤمراتٍ خارجية، لكنّه لا يريد أن يرى شعبًا يدافع عن نفسه في وجه الجيش الأحمر، لا يريد أن يرى لرصاصةٍ تنطلق في وجه رصاصة. المثقف في الخارج يريد ثورةً بيضاء، كلون الثلج الناصع… فهو هناك، في بلاده البعيدة، لا يسمع لأزيز الرصاص، لا يُحرم من أدنى ظروف المعيشة، لا يهدّده الموت من كلّ جانب، يستحمّ ويأكل ويشبع ثمّ يذهب ليناظر.

كفى تنظيرًا، كفى كلامًا مشحونًا بالعواطف، الثّورة حمراء، لا تقبل إلّا بأن تكون حمراء، الثّورة قاسية، زمنها ليس اعتياديًّا، عمرها لا يجب أن يكون طويلًا. الثّورة كرة نار، تحرق من يمسكها ومن تُرمى في وجهه، هكذا هي الثّورة وإن لم نقدر على احتمالها تنطفأ ولا تعود إلى اشتعالٍ مرّةً أخرى.  

Advertisements