في انتصار العميل والعمالة

Posted on سبتمبر 5, 2011

1


لم يكن من داعٍ أن تسجونه، وتلحقوا في سجّله عارالغياب عن الحياة السّياسية لمدّة عام أو أقل، هو لا يستحقّ ما أنزلتموه به فجريمته ليست سوى اتصالٍ بدولةٍ لا تعدو كونها عدوّة. هو اتصالٌ فقط وليس عمالةً كما تدّعون، اعذروه فهو كان يبحث عن أرضيةٍ مشتركةٍ تقرّب من وجهات النظر، هو ليس عميل، لو كان كذلك ما حاكمتموه، واكتفيتم بحبلٍ يلف رقبته.

فايز كرم ليس عميلًا، ما حصل معه كان مجرد تشابكٍ في خطوط الاتصال، سلامٌ وحديثٌ عابر لا أكثر. لم يفشٍ الرجل أسرار الدولة، لم يتحدث عن قدراتٍ مخفية، لم يذكر مخططاتٍ عسكرية، هو لا يتقن العبرية أصلًا ولم يطأ أرضًا إسرائيلية. ليس عميلًا بل عملية تعارفٍ بين الأطراف، لو كان كذلك ما حاكموه، واكتفوا برصاصةٍ تخرق قلبه.  

أيّ وطنٍ هو الذي يكافئ عملاءه، يسجنهم فترةً وجيزةً، يحميهم من عيون الناس، يضمن لهم النسيان. أيّ وطنٍ هذا الذي يجعل من العمالة فرصة عملٍ ذهبية في وقتٍ نفتقد فيه لأدنى احتياجات المعيشة. ربّما نحتاج إلى إعادة صياغة التعريفات، إلى التذكير بالمسميّات، فإسرائيل دولةٌ عدوّة، تحاربنا منذ أكثر من ثلاثين عام، تقتلنا كلّما سنحت لها الفرصة، تحوّلنا إلى فئران تجارب لأسلحتها، تمارس سطوتها علينا دون خوفٍ من أحد.

إسرائيل هذه دولةٌ عدوّةٌ لا يُسمح بمد اليد إليها، لا يسمح بمصافحتها من فوق الطاولة أو تحتها، ومن يتعامل معها يُرمى بالخيانة العظمى وينال وسام العملاء. لكننا من واقعة الشاي في مرجعيون وما بعدها، ومن انهيار لشبكات التجسس والعمالة وما قبلها في زمن التحرير وتهاوي جبش لحد، لم نرى محاسبةً بحجم العمالة التّي اختبرناها. بضعة أشهرٍ وراء القضبان، وتنتهي الحكاية، وتسدل الستارة عن فصول الخيانة بسلاسة انتهاء المسرحية، ويغسل العميل وجهه ليعود أنصع ممّا كان.

في دولةٍ تسكن هذه الأرض، لا مكان فيها للحياء والخجل، يمرح على ظهرها العار، يجول من أقصاها إلى أقصاها دون اعتراضٍ من أحد، لا أخلاق فيها لا لحاكمٍ ولا لمحكوم، الكلّ باع نفسه ارتضاءًا لشيطان يسكن تفاصيل عقله. في هذه الدولة يصرخ الجميع دون الحاجة لسماع بعضهم، يتقنون فن الكلام وفن التنظير كما لم يتقنه أحدٌ على مرّ التاريخ.

هي ليست دولةً بالمعنى الحرفي للكلمة، هم مجموعاتٌ من البشر التقوا في رقعةٍ واحدة وكان لزامًا عليهم أمرٌ من اثنين إمّا الاستمرار وإمّا التناحر، اختاروا بادئ الأمر التناحر فازدادوا تقسمًا وتقسيما، ثمّ انحرفوا نحو السلم وعاشوا في ظلّ ما قسّموه وتقاسموه.

هي قصّة تلك البلاد، لا تملك قوانين بل تحكمها شريعة الغاب. القوة لمن يعلو صوته على الحق، القوّة لمن يحمل السلاح في وجه من يشاركه الأرض، القوّة للمنتفض في وجه ما يسن. في تلك البلاد امتهنوا التقسيم والتفريق، أصبح عملهم توليد الجماعات والأفراد لخدمة هدفٍ لا يمتّ إلى الوطن بصلة.

في تلك البلاد يغنّي كلٌّ على ليلاه، يفسّرون المعاني والمصطلحات وفقًا لما تقتضيه الأحداث. يحسبون الناس مقتنياتٍ يملكون قرارها وروحها، يكذبون عليهم ببلاغة، يشترون أصواتهم بخزّان وقود، والشعب من حماقته، يلهث ورائهم لا يدعهم يفلتون منه، يحسب أنّ بأيديهم مفاتيح الجنّة، يحسب أنهم طوق النجاة وآخر ما خلق الربّ من الزعامات، هذا الشعب لا يملك أدنى مستوى من الوعي يخوّله استلام قراره، هذا الشعب يحتاج إلى وصاية لا يُترك في الخارج وحده، لا يُسمح له ياستصدار قرارٍ يتعلّق بمصيره.

Advertisements