في سقوط المعمّر

Posted on أغسطس 23, 2011

0


(1)

صنمٌ عربيٌّ آخر سقط، انضمّ إلى رفيقيه ينتظر حكمًا لشعبٍ قضى أعوامًا خائفًا من حكّامه، واليوم يمسك بحبلٍ يلتفّ حول أعناقهم. لكنّ الشعب لن يعدم الحاكم، لن يُنزل به حكمًا بالموت كما لو كان الرئيس المخلوع نفسه هو من يحاكم شعبه. الرئيس يقتل شعبه لكن الشعب لا يجرأ على إصدار حكمٍ بالموت بحقّ رئيسه. لا أحد يعرف لماذا، ربّما لأنّ الشعب يكره النهايات الحزينة، ربّما لأنّ البطل لا يموت، لا أحد يعرف، لكن الرئيس لا يموت. وقد يصدر بحقّه حكمٌ مخفّفٌ لأسباب صحيّة، لماذا يشيخ الرؤساء مباشرةً بعد أن يتركوا الحكم، سؤال صعب، يبقى برهن أصحاب السلطة والسلطان.

(2)

إذا تدخل الناتو نقول إنّها المؤامرة، غطاءٌ مباشر لاحتلال الأرض، لوضع اليد على الثّروات، للحفاظ على المصالح، دعوةٌ مفتوحةٌ لاستعمار البلاد، خطّة معدّةٌ لتقسيم ما بقي من أوطان، دفعٌ سريعُ إلى حربٍ أهليةٍ تمتد ببطئٍ لسنوات. وإذا لم يتدخل الناتو نصرخ مهدّدين بحقوق الإنسان، مطالبين بالنظر إلينا كبشر، نبتزّ الآخرين بشلالٍ من العواطف والدماء، نبيع موتانا على مذبح الأمم، نتأكّد من حقيقةً واحدة بأنّ لا أحد يريدنا في هذا العالم، الكلّ يرغب بقتلنا، ونظلّ نسير برؤى ظلامية تحوّلنا إلى ملائكة لله على أرضه وتجعل من الآخرين شياطين لا همّ لهم سوى إبادتنا. نولول بالحرية والديموقراطية، نغرق في مستنقعٍ من القتل والدمار، نتحوّل إلى أطفالٍ يتعلقون ببارقة أمل، يحلمون بيدٍ تمتد إليهم في عتمتهم لتلتقطهم إلى النور دون أن يحاولوا ولو لمرّة واحدة الاستدلال على طريق الخروج من النفق. 

(3)

القذافي سقط، وليبيا حرّة، والشعب الليبي شعبٌ ناضج، يملك أشخاصًا تجاوزوا الثامنة عشر، يعرف مصالحه ويقدّر ثرواته، يعرف أنّ النفط ذهبٌ أسود، وأنّ الطامعين كثرٌ منهم القريب ومنهم البعيد. الشعب الليبي يعرف كيف يقرّر مصيره، لن يقبل باستعمارٍ في القرن الحادي والعشرين، يرى أكثر ممّا نرى نحن، فلسنا فقط من يملك الحقيقة، ولسنا وحدنا من يعرف أنّ لأميركا مطامع، وبأنّ لإسرائيل مخطاطات.

الشعب الليبي يعرف أنّه عربي، رغم أنّ ما من عربي هبّ لإنقاذه يوم دكّ المعمّر منزله وأرضه. أثبت وعيًا يوم راهن الجميع على انزلاقه إلى حربٍ أهلية ولم يفعل.

الشعب الليبي لم يقسّم أرضه يوم كان التقسيم رائجًا، حمل السلاح في وجه رئيس ونظام، قاتل من قتله، لم يفرّق نفسه إلى شيع ومذاهب، بل كانت حربًا معلنةً بين ثوّار وكتائب للنظام، بين شعبٍ وأتباعٍ لعائلة حاكمة. الشعب الذي لم ينزلق إلى حربٍ أهلية في وقتٍ كانت فيه الحرب الأهلية فاتحةً ذراعيها بانتظاره. لن يصعب عليه لملمة ما بقي من أشلاء وتجاوز المرحلة إلى أخرى تكون فيه الدولة هي الأساس، وليبيا الحرّة هي وحدها الهدف.

(4)

ما يزعج في هذا العالم أنّ الثورة سرعان ما تتقسم بين الأطراف. أنّ من يصنعها ليسوا سوى جماعات، ويظلّون في خضّمها مجرد جماعات اتحدوا تحت لواء واحد، من دون أن تذوب الحواجز وتنطلق نحو رؤية واحدةٍ واضحة.

أحلم بشعبٍ يعرف أين يذهب، أحلم بأفراد واعيين يرفضون مصلحةً شخصيةً تقف في طريق أخرى عامة. الثورة سرعان ما تنقسم على نفسها، تغدو جيفةً مسلوبة الحياة، ورغم هذا يتناهش الجميع عليها، كلٌٌّ يطالب بقضمة، يسعى وراء حصّة. الشعب لا يريد فقط إسقاط النظام، الشعب يريد أيضًا إسقاط الحصص والمحاصصة، والمصالح والزواريب الضيقة والأماكن المعتمة والمخططات المعدّة والمؤمرات المحوكة، الشعب يريد إسقاط التعتيم والتعميم، الشعب يريد الوضوح والشفافية، لا يريد لاستبداد الثورة أن يبدأ، لا يريد لفرعون آخر أن يصعد إلى سدّة الحكم، مزدانًا بحلي الحرية والديموقراطية والحوار، الشعب يريد الحقيقة، والوحدة الوطنية والرؤية الجامعة، الشعب يريد الوطن لا الأحزاب ولا الجماعات. 

Advertisements