لن أحلم بالقدس

Posted on أغسطس 20, 2011

0


ستبقى القدس بعيدة عنّا، تمارس سحرها علينا، تطالبنا بأكثر ممّا تحمله أرواحنا، تسألنا عن أشياء نسيناها، عن ذكرياتٍ خلفناها ورائنا. القدس ترغب بمحاسبتنا عند كلّ ذكرى، تلاحقنا في وعينا وخيالنا، تمد بجسورها نحونا، تمتصّ من دمنا، تجرح كبريائنا الممرغ بالشقاء، تدفعنا إلى التهوّر لننساها بعضًا من الوقت، لتعود بعدها إلينا أقوى ممّا كانت عليه.

مضيت أعوامًا وأنا أتشوّق للقاء القدس، أحلم ببلهاة بفلسطين، أرى مفاتيح العودة ماثلةً أمامي، أمعن النظر في بيوتٍ وحارات، أسمع لحفيف شجر الليمون، أمسح بيدي الغبار عن حبيبات من الزيتون، أتعامل مع الأرض هناك على أنّها أرضي.

أحلم وأحلم وكأنّ الحلم سيوصلني إليها، أرسم بأفكاري ما أشاء من صور وخيالات وأنا أعلم في سريرتي أنّها بلدٌ مثل كلّ هذه البلاد، تحتاج لعبورها إلى جواز سفر. فلسطين نمت في أذهاننا لتصبح جنةً موعودة، ارتبطت بانتصاراتنا وخيبات أملنا، تحولت إلى لغزٍ من الألغاز، يختصر في حلّه أعوامًا من الذلّ والقهر.

فلسطين، حجّتنا الواهية لرفض غمار المستقبل، للبقاء عالقين في أحداث الماضي، للندب على الأطلال. فلسطين هي الحلم الذي يولد معنا ويظلّ يكبر وينتفخ مع مرّ الأعوام، لدرجةٍ نصبح فيها غير قادرين على الاستيعاب، فيخنقنا بكبر حجمه.

لن أحلم بالقدس بعد الآن، سأنزع من رأسي ترّهاتٍ تطفو كل حين، عندما تنزلق الحكومات إلى مآزق لا خروج منها إلّا بتفجير الوضع في مكانٍ يحتمل الكثير من الجنون. لن أحلم بتحرير القدس ليثبت نظام الأسد في سوريا أنّه حصن الممانعة الأخير وبأنه من يملك مفاتيح الحرب والسلام كما يملك الفلسطينيون مفاتيح العودة.

لن أضّحي بدماء أحد، ولن أتاجر بالأرواح كما في سوقٍ للنخاسة. لن أحلم بالقدس حتّى لا أستيقظ غدًا ويكون العالم قد نسي أو تناساها، وإذا أراد بعضًا من دماءٍ مهدورة وجّه أنظاره إليها.

فلسطين صارت مجرد سراب، كلّما ازددنا عطشًا أضحت واضحة الرؤية وإذا ما ارتوينا غابت عن أعيننا كما لم تكن يومًا.

Advertisements