أعرف القاتل

Posted on أغسطس 20, 2011

0


لا أبشع من جريمةٍ تحتار في نسبها، تنزلق من ضحيةٍ إلى أخرى بسلاسة من ارتكبها وفرّ هاربًا.

تحتاج الجريمة إلى الحفاظ على أسطورتها حتّى لا تداس تحتّ الأقدام. تظلّ تذكرّ الناس بهيبتها ورهبتها وسلطتها على حياتهم، تمارس سطوتها على الجميع دون استثناء، تخيفنا بمعالم لمستقبلٍ تلفّه ستائر الغموض أكثر فأكثر كلّما حاولنا الاقتراب من حقيقتها.

الجريمة مسلسلٌ واحدٌ بحلقاتٍ متتابعة، تأخد عند كلّ منعطفٍ شكلًا جديدًا، يتناوب فيه صنّاعها دور البطولة، يتقنون تمثيل سيناريو اعتادوا حبكته وأوضاعه المتقلبة وفق الظروف والمصالح. الجريمة واضحة لا تحتاج محقّقين ومحكمة، فهي من قبل أن تولد حدّدت التّهمة وعيّنت المشبوهين وبنت الزنازين، ولم تنتظر غير لحظةً مناسبة.

هكذا هي الجريمة، تحمل من البساطة، ما يكفيك لأن تضحك من نفسك وعليها عقود، تجعلك تضيع حتّى في مبادئك، تحمّلك وزر أشخاصٍ كانوا يتلذذون بطعم دماءك، يشربون كؤوسهم على جسدك وأشلاء أطفالك، لم يسمعوا بك يومًا، وها أنت مطالبٌ بنصرة قتلاهم.

وحده القاتل يعرف أنّه لن تطاله أصابع الاتّهام، يقتل ويمشي، لا ينظر خلفه، لا يعود إلى مسرح الجريمة، ينسحب بصمتٍ، يأوي إلى عالمٍ من سكون، يتأمل الضجّة التّي خلّفها بعده، يكتفي بالابتسام، ويتابع مخطّطه وهو يأخذ مجراه دون أن يتحمّل مشقّة تسييره.

هو القاتل، وهو محرّك الدمى، ومخرج المسرحية، والممثّل، لكنّه ليس البطل. فذاك شخصٌ يبحث عنه بمشقّةٍ وعناء، يخضعه لتجارب في الأداء، يقيس مستوى حمقه، ونرجسيته العمياء، كبريائه الأبله، ولسانٌ متهورٌ يتقن فيه صناعة الكلام. القاتل يحترف صناعة الأبطال، يخلق لهم هالة القائد، يقنعهم بأحقيّة أعمالهم، ينفخهم، يملأ رأسهم بترهاتٍ تصبح عقيدةً يعتنقونها.

القاتل يتقن اللعبة من دون أن يلعب، يكون الرابح الوحيد من دون أن يظهر، يسلب من الجميع ما يملكونه من دون أن يلتفتوا إليه، يملأهم غيظًا وعدائية، يشعل بينهم حربًا، يهزمهم على ساحة أرضهم، ويبقى هو،فهو الرابح.. والرابح يبقى وحيدًا.

كلّنا يعرف القاتل، وينكره. يحاول إخفائه خلف ما يملك من أصابع. قد يضطر للدّفاع عنه بحمية من يلوذ عن أهله. يبرّر له صمته المطبق، اختفائه من ميدان معركته، يظنّ في عدم مشاركته  لصناعة المستقبل دليلًا على استقلاليةٍ صار يتمتّع بها.

كلّنا يعرف القاتل ويرفض أن يعترف، يخاف من ثقل دماءٍ كانت تغذّي مخطّطات عدوّة، يرفض فكرة السيناريو، ويتحدّث عن حتميةٍ وقدر. لا يريد للقاتل أن يكون أحدًا غير شريكه في الوطن، من يتشارك معه الشمس والظلال. ذلك هو القاتل، وحده لا غيره. أمّا ذاك الذّي تشيرون إليه  فلا يملك ماضٍ يعجّ بالاغتيالات، ليس لديه من التقنيات ما يبيد شعوبًا ودول، لا يملك مصلحةً في خرابٍ وتشتت، لا يعنيه سوى السلام، ولا تهمّه غير وحدة وطنية يحترف تدميرها.

حملٌ وديعٌ هو ومن في الوطن هم الذئاب.

Advertisements