في حضرة الأسد

Posted on أغسطس 15, 2011

0


لن تذكر طل أيها الرئيس، تلك الفتاة التّي تمنت ولو ليومٍ واحدٍ فقط أن تكون مكانك، علّها تقيم جمهوريةً للمحبّة. لم تعرف طل أنّ أمنيتها تلك ستودي بالبلاد إلى مقصلة الخراب، لم تعلم أنّ  لحلمها هذا ثقلٌ سيرخي بظلاله التراجيدية على حياة من يسكن تلك الأرض. فلا وطن من دون الأسد، ولا شعب بلا الأسد، هذا منتهى الكلام.

لن تذكرها أيّها الرئيس، لأنّها أصبحت اليوم في عداد الموتى، ولأنّ من يشبهها تجاوز عدد الأصابع بالمئات. اختفى الكثيرون دون أن يتركوا أيّ أثرٍ يُذكر، ذابوا بالأرض كملحها، غابوا ولم يخّلفوا ورائهم إلّا النسيان. تفاقمت أعدادهم، بين قتلى ومفقودين ومنسيين خلف قضبان الزنازين.

من لم يجد وطنًا ليرتمي في حضنه التحف بطن الأرض دون حياء. من ضجّت به البلاد من كثرة ما صرخ مطالبًا بإسقاط النظام، لن نسمع صوته بعد الآن. لم يبقَ الكثير، بضعٌ من المتهورين المندّسين أزلام المخططات والمؤمرات. لم يبقَ الكثير، تفتت آمالهم تحت سلاسل الدبابات الممانعة، سحقها الجيش، تمامًا كما كان في أحلامه يحرّر الجولان.

حصن الممانعة الأخير، كان وهمًا في وعي البعض، وقصور ملحٍ في خيالات آخرين. ربما هو حصن الممانعة الأخير في طريق قيام دولة فلسطين، من يدري، ما دام العالم قد قرر ركوب موجة الجنون، وأغمض عينيه عمّا يجول، وكال الأحداث بمكيال مصالحه الضيقة وفائدته الشّخصية مّما تؤول إليه الأمور.

 لن يأتي أحد، ولو قرر الرئيس استخدام قنبلةٍ نوويةٍ لقمع فلول المحتجّين، ولو دكّ بمدافعه حصون المنازل والمدارس، وكلّ عمارةٍ تقف في وجه اجتياحه. سيكتفي الكلّ بالكلام والمواعظ والتهديدات. سيبرقون، ويرعدون من دون أن يملكوا جرأة الإمطار. فالشعب وحده من يُقتل، وعلى هذه الأرض الكثير منه، لن يحدث شيءٌ لو مات. لن يأتي أحد بعد كلّ ما مرّ من تنكيلٍ ودماء، ولن تهزّ الصورة المأساوية جفن أيٍّ كان بعد الآن.

حمام دماء، أو نهرٌ من ذاك السائل الداكن لن تنفع بشيء. فالأسد كما غيره عرف كيف يُحكم قبضته على الثّورة من قبل أن تولد، كيف يؤدها في الأرض وهي حيّة. ألقى بظلّه على كلّ الأحداث، عملياتٍ عسكرية، أو حديثٍ عن صلحٍ وسلام. إصلاحاتٌ لم نعد نسمع بها ولا رأينا معالمها على هيئة النظام. لن يبرّر له عدم استجابة الشعب لوعوده أحقيّة ما يمارسه في العلن و خلف ستار الظلام.

الأسد يقتل بدماء باردةٍ أجسادًا وأحلام، لا يهاب حسيبًا ولا محاسبة، يقتحم المدن والقرى ليربّي من تجرأ على معارضته، من تفوّه بالكلام الخطير، من طالب بإزاحته عن عرشٍ كان ملك أبيه. الأسد مجرم، يعبق ماضيه وحاضره برائحة جثث ستبقى تلاحقه في لعنتها إلى مستقبله. الأسد يظنّ نفسه في غابةٍ، لا شرائع فيها، ولا حكم إلّا لقوانين القوة والبطش. الأسد ملك الغابة تلك لكنه يركب دبابة، تزيل من طريقها جسدًا وحجرًا.. لا فرق.

Advertisements