حمّام في حماة

Posted on أغسطس 4, 2011

2


بعض المدن حكايات تراجيدية مؤلمة، يُكتب مصيرها في التاريخ، تكون عنوانًا للدّم النازف، وموطئًا للتضحيات. بعض المدن تعيش ثقل الثورة، تحتمل عبء أخواتها مجتمعين. بعض المدن مآسي، بعض المدن مجازر.

نواعير حماة ممتلئة بدماء، يحاصرها نظامٌ بأكمله، وكأنها رأس الثّورة والمسؤولة عمّا يسود البلاد. وهي رغم كلّ هذا ما تزال صامدة شامخةً في وجه التاريخ، تستذكر ماضٍ موجعٍ لم تُشفى منه بعد، يوم استحمّ أهلها بالدّم على يد الأب واليوم جاء دور الأبناء. حماة ما تزال هناك، مثلًا يُضرب ببطش نظام ومصير ثوّار. سكونها مفزع، موتها مشحونٌ بالغموض.

ماكينة القتل لا تعرف السكون في حماة، تحاصرها دبّابات القوم، وكأنّها ألدّ الأعداء، يسهل إعادة تلقين الدّرس لنظامٍ لا يكّذب عنه أيّ وسيلة للتعذيب، اعتاد الهمجية في التعامل مع من يخالفه،  يعرف تمامًا كيف يقتل وكيف ينكّل بالجثث ومن أين يبدأ بالتعذيب. هذا النظام ليس بريئًا، صفحاته تعجّ بالسجون، ماضيه مليءٌ بالمفقودين، يحمل في عنقه دماء لأناسٍ نسيهم التاريخ. هذا النظام تعوّد القتل وإحصاء الضحايا، لا يعرف مفهومًا لشعبٍ أو أبناء، فهو الحاكم ومن تحتّه محكومين، مأمورين بالطّاعة، مسلوبين للإرادة يرمون بالموت عند أول انعطافة طريق.

هذا النظام يقتل بصمت، لا تهمّه إنسانية أو معالجةٌ فعّالة للأمور، لا يأبه برأي يخالف رأيه، لا يسمع صوتًا يعلو على صوته، يأكل ضحاياه، يلوكهم، ليدفنهم بعد ذلك تحت تراب بلدٍ تحوّل إلى مقبرةٍ لأهله.

هذا النظام يكذب، ترتفع في مخيلته قصورٌ من رمال، يبني أحلامه على حساب شعبه، يدوس مطالبهم، يكمّم أفواههم، يطالبهم بالصمت، قبل أن يذبحهم كنعاج،

إنّها مؤامرة، مؤامرة لنظام قرّر اغتيال ما تبقّّّى من شعبه وما تبقّّّى له من كرامة.

Advertisements