خلف القضبان

Posted on أغسطس 3, 2011

0


كم يبدو مريضًا خلف القضبان، وجهٌ لا لون له، صورةٌ حُفرت على ظهرها أثلام ثلاثين عامًا من الحكم المتصل، بكلّ ما فيها من خيبات وانتصارات. رائحة الظلم تعبق في المكان، شذى الفساد وكمٌّ هائلٌ من المحسوبيات.

كم شاخ الرئيس الذي كان قبل أشهرٍ مضت مشروعًا باقيًا لمدى الحياة. قريبٌ هو من الموت الذي آخاه طيلة أعوام، وتكلّم باسمه في شتى المناسبات. الموت الذي ما خانه مرّة، ولا خذله حتى في أحلك اللحظات.

الرئيس الذي كان لا يتجرأ أحدٌ على رفع صوته في مقامه، نائم هناك ،خلف القضبان، على سرير طبي، والضجة تعلو من حوله، ولا أحد ينصت لكلماته الخافتة التي يلقيها بين الحين والآخر. الكلّ يتكلم إلا الرئيس الذي ما عادت تنقذه الكلمات.

الرئيس السابق خلف القضبان، ينتظر عدلًا لا يفقه معناه، يتململ أمام عدسة الكاميرا، لا يريد لأحدٍ أن يرى وجهه، فيعرف من يكون.

يخفي خلف قبضته تقاسيم حفظناها أبًا عن جد، يغلق عينيه ظنًّا منه أنّه اختفى، فهو لا يرى نفسه وبالتالي لا يمكن لأحد أن يراه. رغم أنّه يعلم تمامًا أنّ ما يحصل هو حدثٌ تاريخي، لن يضيّع أحدٌ فرصة مشاهدته، فكيف لشعبٍ عربي أن يرى رئيسًا عربيًّا خلف القضبان.

هو حلمٌ صعب المنال، لم يتحقّق إلّا بكمٍّّ هائلٍ من الدماء، بمغامرة غير محسوبة قرر الشعب ركوب غمارها، بتجمعات هائلةٍ كانت تملأ الساحات والميادين، بحناجر تلاشى صوتها من كثرة ما صرخت مطالبةً بإسقاط النظام. حلمٌ حصيلته ما نراه اليوم على الشاشات، دفع الجميع ثمنه غاليا، مجتمعًا وأفراد، وطنًا ومؤسسات، لرؤية الفرعون يُحاكم تمامًا كما كان يحكم.

مصر، هذا تاريخك يُكتب من جديد، يحاول تصحيح مسارٍ انحرف منذ عهود، يسعى جاهدًا لإرجاعك أمًّا لكلّ الدنيا، يسعُ قلبها القاصي والداني، القريب والغريب. هذا تاريخك يحاول إخراجك من خلف قضبان قست في وطئتها عليك، حشرتك في زاوية العالم، حجّمت من قدرك وقدرتك، ليأتي اليوم الذي نقتصّ فيه من منطق التوريث. شبابك هم ربيعك القادم، وأملك الضائع. اليوم اليوم فليحاكم الظالم.

كم يصعب انتظار العدل، كم يصبح الكلام ثقيلًا في حضرة الحكم، لماذا يحتاج القاتل إلى من يُدافع عنه، ولا يتكلم أحدٌ عن القتيل.

الرئيس المخلوع خلف القضبان، مايزال تأثيره بادٍ على وجوه من يحيطون به، رغم تمدده على سرير مرضه، مايزال يحتفظ بهالته الرئاسية، بنظرة عينيه الآمرة، لم يستوعب بعد كيف من كان بالأمس خاتمًا في إصبعه صار يحاسبه.

التوتر ظاهرٌ على كلّ الوجوه، والكلام نهرٌ يسيل لا يتوقف عن الجريان، والحكم لا يحتاج إلى كلّ هذا الحجم من الكلام، فالحكم ساطعٌ كما الشمس في سماء ميدان التحرير، القاتل قاتل وإن تمدد على سريره لا ينتظر سوى الموت.

Advertisements