في يوم، في شهر، قبل خمس سنوات

Posted on يوليو 12, 2011

0


(1)

في زاويةٍ من زوايا الوطن الكثيرة، كان هنالك بيت، وفي البيت كانت عائلة، وصباح ذات يومٍ تموزي اختفى البيت ومعه اختفت العائلة. شيءٌ واحد كان يشفع لإسرائيل في حربها، ويدلّل على بعضٍ من عاطفتها وإنسانيتها، لا، ليست صواريخ أرسلتها مذللةً بتواقيع أطفالها هديةً إلى أطفالنا، بل مجرد أنهّا كانت تقتلنا عوائل وجماعات، ترفض أن نموت أفرادًا تحت الأنقاض، بل تجمعنا في مكانٍ واحد وتبيدنا بأجمعنا، أبًا وأمًّا، شبابًا وأطفال.

كان الموت أكثر من اعتيادي، وكانت المجازر وصور الجثث المقطعة المتناثرة على الأرض كليشيهاتٍ لا تهزّ جفن أحدٍ في هذا العالم. هنا رأسٌ، وهناك جسدٌ بلا رأسٍ، وأطرافٌ كثيرةٌ لأجسادٍ انصهرت مع تراب الأرض. الحرب ذلك الوحش المرعب القاسي، الذي لا ينفكّ يهددنا ويلاحقنا، يطلّ برأسه كلمّا فكّرنا بمتابعة الحياة.

كأس الحرب مريرة، وذكراها أمرّ من واقعها. الحرب دم، الحرب موت، الحرب عار، الحرب خجل. لن نستطيع أن نخرج من ذكراها، أن ننفك من وقعها المظلم على النفوس. صار صوت الطائرات يدّب فينا الرعب، صار مجرد ذكر الحرب يبعث في قلوبنا رعشةً غريبة. انتصرنا، رغم أنوف الجميع، انتصرنا لأننا ما نزال قادرين على استعادة أيام الحرب رغم ما مرّ من سنوات، انتصرنا لأننا ما نزال ندافع عن ذات النهج الذي قاتلنا العالم كله من أجله، انتصرنا لأننا الآن نسكن بيوتًا كانت في مثل هذا اليوم وبعده بثلاثة وثلاثين يومًا مجرد رماد. انتصرنا لأنّنا مانزال نتذكّر… ولن ننسى.

(2)

في الحرب تعرف أنّ الوطن ليس سوى بيتك الصغير بأمتاره المربعّة، وأنك قد تصبح مهجّرًا داخل وطنك بين شعبك، تقاتل من أجل رغيف خبزٍ، تملأ المدارس والحدائق العامّة، تصبح ثقيلًا على أشخاصٍ يفترض أنّهم أهلك.

 في الحرب تنكشف الحقائق، يتعرّى الجميع، تظهر الكراهية والأحقاد، تغدو الكرامة مغامرةً غير محسوبة، والدفاع عن الوطن بوجه من اعتدى عليك جريمةً لا تغتفر. تسنح الفرصة للعملاء للكلام يحمّلونك مسؤولية دماءٍ ودمار، يرمون عليك عبأ إرجاعك مئات الأعوام إلى الوراء، يجعلونك مخاضًا لأهدافهم وخططهم، في الحرب يتفجّر البغض كشلّالّات.في الحرب عليك أن تبقى منتصبًا حتى لا تُداس، لأنّ العالم كلّه قد قرّر أنّك لا تستحق الحياة وأنت وحدك تعلم أنك ما خلقت إلاّ من أجل هذه الحياة.

(3)

في 12 تموز تغيّر العالم، أصبح فجأة قبيحًا متآمرًا ليس فيه بعضٌ من رحمة. كنّا وحدنا، نجابه موتًا فرض علينا، نرفض ذلًّا مرسومًا علينا، نحارب فكرة الخيام ومنطق المؤامرة والمغامرة والمساومة.

Advertisements