الوحش طليق… والضحية صامتة

Posted on يونيو 20, 2011

0


أي اشمئزازٍ وقرفٍ يمكنك أن تضيفه إلى ما تملك من مشاعر. فلمن لا يعرف، نحن نعيش في عالمٍ مهترئ، في مجتمعاتٍ تخجل حتّى من نفسها. ترفض رفع الصوت في قضيةٍ تمسّ مستقبلها، لا تناقش في قتل البراءة والأحلام، لا تقتصّ من الوحوش المتنكرة في زي إنسان، بل تردم وتردم، تخفي عارًا تعرف أنّه يلاحقها أينما ذهبت، تسكت عن الجريمة وتنام، لا تسأل لا تعالج، بل تنزوي في المنازل، تختبأ خلف الجدران، المهم أن لا ينكشف عارها للعيان، أن لا يعرف به أهلٌ أو جار.

المهم أن لا يدري أحد فينقلب الأمر إلى فضيحة. ونحن أشدّ ما نخاف من الفضيحة، نبيع أطفالنا وبناتنا اتّقاءً منها، نضّحي بهم على مذبحها، لا تهمنا أحاسيسهم ولا يهمّنا كيف نستطيع مساعدتهم، فالطفل تفيض مخيلته والفتاة تفضّل عدم الكلام خوفًا من لقبٍ يلتصق بها ويدّمر ما تبقّى من حياتها.

وحده الصّمت يلفّ ذلك العالم المظلم، يرمي بظلاله السميكة ليحمي ضحاياه من ألسنةٍ لا ترحم، ومن عيون لا تعرف إلّا الفتك. لكن الصمت لا يعلم أنّه موتٌ بطيءٌ لمعتنقيه. الصمت هو ما يملكه هؤلاء في مجتمعٍ تغيب عنه شروط التوعية، وتختفي فيه أساليب الحماية حتّى من أقرب الناس إليك، ولا تدري فيه الضحية لمن تتوّجه، لأهلٍ يخافون الآخر أكثر من خيفتهم على سلامة أولادهم، أم لأمنٍ يحمّل الضحية أسباب الاعتداء، ويترك المعتدي حرًّا دون قصاص.

ربما ما نحتاجه هو أوبرا وينفري عربية لتسلّط الضوء على الجمر المختبأ تحت الرماد، لتكشف عن أهوالٍ وأهوال، لتزيل حاجز الصمت والخوف من العار، فيظهر المجرم على حقيقته وينال ما يستحقّه من عقاب. متى نعيد تسمية الأشياء، ونرى الحقيقة دون تحريف أو تأويل، من يقتل البراءة ما يزال حرًّا طليق، من لا يستطيع أن يرى النساء ككائنٍ بشري وليس أداةً لإشباع الغرائز لا يملك قدرًا من الاحترام للإنسانية.

التحرش الجنسي كما الزلازل والبراكين، كارثة ولكن ليست طبيعية، ولا تمتّ إلى الطبيعة بصلة، إنّها فعلٌ يقربنا من عملٍ حيواني ويحوّل مجتمعاتنا إلى مزرعةٍ لا أكثر، ينهش فيها القوي لحوم الضعفاء، يقتات على عاره، لا يملك إنسانيّة ليحمي أعزّ الناس إليه من سطوته، لا مكان فيه للعائلة والأخوّة، لا وجود فيه لمفاهيم الاحترام والمساواة.

ازدياد فعل التحرّش ما هو إلّا دليلٌ واضح على انحدار مجتماعاتنا إلى الدرك الأسفل، إلى مستوى الحضيض الذي لا يفرّفنا عن مخلوقاتٍ تعيش في عالمنا. كرة الثلج تكبر وتأخذ في طريقها حاضرًا ومستقبل. تتدحرج دون أن نقدر على اللحاق بها، يزداد أعداد ضحاياها ونحن نختبأ خلف أصابعنا، نغمض عيوننا كي لا نرى حقيقة ما يجري، نسدّ آذاننا عن قصصٍ نسمعها نظنها من نسج الخيال، لكنّنا نعلم أن أبطالها حقيقيون، نراهم كلّ يوم في الشوارع، وسيارات الأجرة، في مكاتب العمل والمدارس، نعلم أنّهم قد يكونون أخواتنا أو أطفالنا، نعلم أنّ ما يحصل لهم قد يحصل لنا، لكننا لا نحرك ساكنًا..

مزيدٌ من الاحترام، مزيدٌ من التوعية، كثيرٌ من الكلام، كثيرٌ من الفعل، هو ما نحتاجه لاستيعاب هذه القضية التي تكبر مع مرور الوقت، ولا تخلف وراءها إلا وحوشا مستعدّين للفتك مرة أخرى، وضحايا غارقون في الصمت.

لا مزيد من الصمت… تكلم، تكلمي، تكلمن..

Advertisements