إنّه المثّقف… يا عزيزي

Posted on يونيو 13, 2011

0


شامخٌ في طلّته ينظر من علٍ، يحترف الفوقية والتعالي، يعرف الفرق تمامًا بين الأعلى بكماله و بين الأسفل بحثالته. ينتظر انبعاث الضوء كي يُلقي علينا بعضًا من كلامه، ينثر بركاته الشخصية التي تنقلنا من عالم الأحزان إلى الأفراح. يرى في العباد مصدر شقائه وعذاباته، ومنبعًا للجهل والتخلّف. ليعود وينظر إلى نفسه باعتدادٍ يفوق الوصف.

يطلّ علينا من برجه العاجي كلّما ازدادت فعاليّة الظهور، يوّزع نصائحه ورؤيته وأوامره، ليختفي بعد ذلك خلف ستائر أرخاها حّتى على ظلّه. يلوّح لنا بكتبٍ سميكة تحمل عناوين طويلة، يتكلّم بعبارات غير مفهومة، ينتقي أصعب المصطلحات دون أن يتعنّى ترجمتها، ليؤكد بذلك على تميّزه عنّا، وعلى أحقيّته بالقيادة.

فهو المثّّقف ونحن أتباعه. يهوى الحفاظ على أسطورته، فلا يلوثّها بكلامٍ مع عامة الشعب. لا يشاركنا همومنا فهي لا تعنيه، لا يسمع إلى كلامنا فنحن لا نفقه ما نريد، نحن الشعب أتباع الرغيف وهو المثّقف صانع الأفكار.

يرى في نفسه آلهةً تستحقّ العبادة، يرى في كلامه حروفًا منزلة، وأفكارًا مقدّسة لم يصل إليها عقلٌ قبل الآن. يعلم في داخله أنّه لم يُصنع لهذه الأرض ولا لتلك البلاد، يعلم أنّه كثيرٌ علينا، فكرٌ يفوق قدرتنا على الاستيعاب، يعلم أنّه يسبقنا بأميال. هو غريبٌ عنّا، بعيدٌ كما الشمس، يحرقنا بلهيبه إذا ما اقترب، ويميتنا بصقيعه إذا ما أدار لنا ذات يومٍ ظهره ومشى.

هو ديكتاتور من نوعٍ آخر، يهابه الجميع لقوّة قلمه، يسلّطه على رقابنا من دون أن ينال لقب السفّاح. يظلّ متربعًا على عرشه لا يُطالب بالرحيل، يمارس التوريث ولا يعارضه أحد، يسجن يقتل يتأمّر على الآخرين، ونحن خلفه نضجّ بالتصفيق والتهليل.

يحدّد مراتب للبشر، يصنّفهم كما يريد وكما يرتأي كبرياؤه، يرمي بمواعظه علينا، يعلم في سريرته أنّه إذا ما تركنا لن يُكتب لنا الاستمرار من بعده، يؤمن بنفسه قبل أيّ شيءٍ آخر، لا يقبل حجّةً أو مناقشة ولا حتّى بعضٌ من رأي مُخالف، فهو سلطان الأفكار، يحدّد صوابها وخطأها.

هو المثّقف الذي يعتني بمواقيت خروجه، ويبتعد إذا ما البشر احتاجوا إليه، ويلوح عندما يحين موعد اقتسام الغنائم، يقترب منهم، ينبري بحديثه إلى الجماهير، يقنعهم أنّه هو ولا أحد غيره من كان وراء التغيير. وهم لطيبتهم يصّدقون، فلا يمكن لشعبٍ مثلهم أن يصنع المعاجز والغرائب.

هو المثقف، من يختفي خلف نظّاراته السميكة، ويأكل الكتب بشراهةٍ كما يأكلون الرغيف، هو وحده  من يحقّ له صنع التغيير.

Advertisements