لن يظهر الإمام

Posted on يونيو 11, 2011

1


دومًا كنت أنتظر الإمام، صاحب الوعد الإلهي بانتهاء الظلم والقضاء على الفساد. أحصي علامات الظهور، أرقب أيّ إشارات، ينقبض قلبي كلّما تنبأ أحدهم بموعد، تتسارع دقّّاته كلّما راجعت السيناريو الموعود. أتخيّل أعور الدجّال، وخسف الصحراء، وسفك الدماء، وكيف ستنطفأ الدنيا. كنت أرى في خروجه نهاية التاريخ، وبداية عصرٍ جديد نحو القيامة.

عندنا يظهر المهدي بقوّة، يتجلّى تأثيره في كلّ خطوةٍ نقوم بها في حياتنا، فهو إمام زماننا و سفينة نجاتننا في قلب العالم الذي يملأه الفساد في برّه وبحره. يصبح وجوده ضروريًا لتخطي أيّ محنةٍ تلمّ بنا، يغدو معها شعلة الأمل الأخيرة التي نمتلكها، فالخلاص لا بدّ آتٍ على يديه، ووعد الله بنصرة عباده ليس حلمًا بل حقيقة ستظهر رغم أنوف الجميع.

لفترةٍ كنت أحاول عدم الإنصات لأيّ من الأحاديث الدائرة، أنزع من عقلي الوشوشات التّي تجري على عجل، وتؤكد قرب الظهور. أهرب من العيون المضيئة باليقين، والتي تجعل من كلّ حدثٍ خطوة تقرّبنا من الموعد. لا أخالط أيًّا من التجمعات التي قد تحمل في طيّات حديثها شيئًا عن الإمام، كنت أراه مخبفًا، يقضي على مخطّطاتٍ جميلة يضجّ بها رأسي.

نعم أنا أخاف، أخاف من المستقبل الذي لا أرى فيه ذرّةً من الوضوح، أخاف من كلّ الأحاديث التي تستسهل النهايات، أخاف من هذه الحياة التي لا يُعرف ما قد تحمل لنا من مصائب وأحزان.

الإمام الّذي رغم كلّ ما يثيره في ّ من خوف ما أزال أقرأ له الدعاء لتعجيل فرجه، وأضع يدي على رأسي احترامًا لذكر إسمه في مجرى أي حديثٍ أو كلام. الإمام الذي أخافه، وتلاحقني علامات ظهوره في يقظتي ومنامي، والذي كنت أشعر به بعيدًا عنّي لدرجة ارتأيت معها أن أبدأ بمراسلته لإطلاعه على مستجدّات حياتي حاضرٌ الآن بقوّة.

كلّما كان هنالك حربُ أو ضيقٌ أو أيّ تغيرٍ بسيط  أو معقّد كان خيال الإمام يطلّ على الساحة، وكانت الكتب المتنبئة بالظهور تنتشر كالنار في الهشيم ليصبح الحديث الأول الذي يشغل بال بعض المجتمعات، لدرجةٍ يصبح فيها العمل الوحيد هو إحصاء علامات الظهور وضرب مواقيت للخروج، ووضع خططٍ لآلية الأمور، وكيف ستجري الأحداث، ومن يقتل من، ومن ينتقم من من.

يغزونا الموضوع دون أن نملك القدرة على سدّ الأبواب في وجهه، يحكمنا البعض بحجّته، وما أسهل استغلال قدسية الأمور ليصبح المتكلّم بها نبيًا أو مُنزلّا. يتعطّل معه كلّ شيء، منطق التفكير، رؤيتنا للأحداث، مواقفنا. نضحي كمن يمشي على عمى، تأخذه أفكاره يمنةً ويسرى، وهو ينتظر، ينسحب إلى الزوايا، يغرق في تأملاته، فهو يعلم تمامًا ماذا سيحصل ولا حاجة له إلى المشاركة في معمعة الحياة وأمورها.

يحضرني هنا كلامٌ للمفكّر علي شريعتي، يقول فيه ” إمامنا ليس بحاجة إلى هواة انتظار ولا إلى محترفي انتظار إمامنا بحاجة إلى ممهدون”. لا يريدنا الإمام أن نحصي له علامات خروجه، لتصبح شغلنا الشاغل عن كلّ الأمور المهمة التي نضعها جانبًا، إمامنا بحاجة إلى عقول تساعده على الانتصار، فهو لن يقضي على الفساد بسيف سحري ولن ينقذنا بكلماتٍ مقدّسة، بل هو سيحارب، بالعلم الذي قد نكون وصلنا إليه، بما لدينا من قدراتٍ وأدمغة، من قوّة وصبر. إمامنا ليس بحاجةٍ إلى ترديد دعاءٍ، فما أكثر الضجيج في هذا العالم وما أقل الأشخاص الذين يحسنون صنعًا، وما أقلّ الحجيج.

Advertisements