أبعد من فلسطين

Posted on يونيو 5, 2011

0


تعوّدت أن أكتب عن فلسطين بوصفها البلاد الحلم، وأن أتخيل القدس  كما لو أنّها المدينة الفاضلة، مددت أفكاري جسرًا لأصل إلى تلك الأرض، تخيلتها أرضًا غير كلّ  أرض، مكانًا يسكن في وجداننا من قبل أن نولد، يذكره الكبار والصغار بحرقة ووجع، يلاحقنا في يقظتنا وأحلامنا، يضغط على أرواحنا بالسر والعلن، يشعل جذوة الثورة فينا، يرتبط بكرامتنا وعزّتنا.

لم أرى يومًا فلسطين بصورةٍ مخالفة، أرضٌ سرقها محتل، شعبٌ طُرد من دون عودة، شعبٌ بقي كي لا ننسى، دمٌ وموت، لا شيء أكثر. اختصرنا الحلم بمفتاح العودة، بنينا قصورًا من الوهم، عشنا  ونحن ننظر إلى مجرد سراب، نظلّ نجري ورائه دون قدرةٍ على الإمساك به.

ماذا لو لم يكن الحلّ بفلسطين، هل باستعادتها نضمن استعادة كرامتنا، هل تمحي القدس دهورًا من الذلّ والاستكانة وعصورًا من الظلامية. هل بتحرير فلسطين تتحرر أنفسنا من أثقالٍ عشنا معها من النكبة إلى النكسة إلى الانتفاضات. من يضمن توّقف الدم النازف، وقد شهدنا تقاتل الأخوة بشراسة في قلب الاحتلال. من يضمن الزمن الجميل، وقد شهدنا حصارًا فرضه الجيران قبل الأعداء.

لم تستطع أيٌّ من الثّورات العربية أن تنجب آلية مفهومة للحكم، ومازال الخلاف قائمًا حول وجوب محاكمة النظام البائد الذي خنقهم عقود ولم يرحمهم أو يساندهم أو يسمع لمطالبهم، أو العفو عنه بعد الاعتذار. لقد سقط القناع في أكثر من بلد، لكنّ ظلاله مازالت ترخي على عديد من المجتمعات، فمن تعوّد الصمت والخنوع لن يدخل عصر الحرية بسهولة، بل قد يبدأ بالبحث عن دكتاتور جديد بصورة مخالفة لما ذاقه طوال أعوام.

ما أوّد قوله، أنّه عامًا بعد عام تطلّ علينا ذكرى النكسة ونحن على حالنا، لم نخرج بعد من النفق المظلم، مانزال نتخبط بأفكارنا ومعتقداتنا. وفلسطين ليست الحل ما لم نتجاوز نكسةً حفرت جذورها عميقا في أنفسنا، ما لم نرمي وراء ظهورنا نكبة حكمتنا وبالغت في سطوتها علينا. ما نريده الآن هو أن ننفض غبار الماضي عنّا، أن نعيد بناء مؤسساتٍ نخرها الفساد إلى العظم، أن لا نتساهل في المحاسبة، أن نعمل على بناء وعي يمنعنا باللحاق بالشخوص والزعامات، أن ندّمر أصنامًا بنيناها في عقولنا، أن نلغي قدسية الفكرة. علينا أن نبدأ من نقطة ما دون الصفر لبناء أنفسنا ومجتمعاتنا فلا نظلّ غارقين بجمالية الأمل والحلم محبوسين بين جدرانهم.

وكل نكسة ونحن بعيدون عن ذكراها

Advertisements