رأيت رام الله

Posted on يونيو 1, 2011

0


على الجسر

تبدأ الحكاية على الجسر، حيث الحدود ملتبسة الهوية، لا يُعرف لها من سيد غير السلاح. على الجسر تشعر بوجع الغربة، تُفتح أمامك دفاتر العمر، ترى نفسك عاريًا من كل شيء، من أحاسيسك التي خضّتك ثلاثين عام، من وجوه تبعثرت في أصقاع الأرض. لا مكان يفضحنا كالجسر، حيث الحلم يلتقي بالحقيقة، حيث الأمل يتمرّغ باليأس. كلّ شيءٍ يضيق عليه، يحثّك على رمي أثقالك لتمضي، وأنت واقفٌ هناك، تنتظر محتلًّا ليسمح لك بالدخول إلى بلادك.

الغربة كالموت… والغريب هو الذي يجدّد تصريح إقامته، هو الذي يملأ النماذج ويشتري الدمغات والطوابع. هو الذي عليه أن يقدّم البراهين والإثباتات، هو الذي يسألونه دائمًا ” من وين الأخ؟” ، لا تعنيه التفاصيل الصغيرة في شؤون القوم أو سياستهم الداخلية لكنّه أول من تقع عليه عواقبها. هو دائمًا العنصر المندّس في المظاهرة إذا تظاهروا، حتّى لو لم يغادر بيته في ذلك اليوم.

فلسطين الحقيقة، ليست هي التّي سكنت في عقولنا وتربعت عرش القلوب، هي أرضٌ كأي أرض، غاب عنها سحرها الذي أضفيناه كلّما أردنا التحدث عنها، هي الآن ليست تلك الحبيبة في شعر المقاومة، ولا ذلك البند في برامج الأحزاب، ليست جدالاً ولا مجازًا لغويا. ها هي تمتد أمامي كعقرب، كعصفور كبئر، ومرئية كحبلٍ من الطباشير، كآثار الأحذية، قلت لنفسي ما هي استثنائيتها لو لم نكن نفقدها؟

الاحتلال قاسٍ لا يرحم، إن لم يستطع هزيمتك بالجند والسلاح، لن يصعب عليه تغيير تكتيكاته. الاحتلال يقتل فلسطين، يذبحها بروية على مرأى منّا جميعًا، ونحن لا نملك شيئًا غير الحلم، ومفتاحٌ علقناه في رقبتنا أملًا بتناول قهوتنا الصباحية على شرفات بيوتٍ كانت يومًا لنا.

الاحتلال الطويل خلق أجيالًا إسرائيلية ولدت في إسرائيل، ولا تعرف لها وطنًا غيره. وخلق في الوقت نفسه أجيالًا من الفلسطينيين الغرباء عن فلسطين، ولدوا في المنفى، ولا يعرفون من وطنهم إلّا قصّته وأخباره. الاحتلال الطويل استطاع أن يحوّلنا من أبناء فلسطين إلى أبناء ” فكرة فلسطين”.

أضفى أسطوريةً على فلسطين لم تزدها إلى بُعدًا وتجردًا، جعل من القدس فكرة، حبسها في سجن الصورة، ومحى معها قدس البيوت، والشوارع المبلطة، والأسواق الشعبية، حيث التوابل والمخلالات، قدس الكلية العربية…

الاحتلال لم يقتلع فلسطين، لكنه أعاق نمو مدنها ومجتمعاتها، ونمو أناقة الحياة بسياقها الطبيعي، أصبحت رام الله أقرب بطابعها إلى القرية، أراد من فلسطين أن تصبح ريف إسرائيل.

من ال76 وكلّ ما نفعله مؤقت، وإلى أن تتضح الأمور، والأمور لم تتضح إلى الآن بعد ثلاثين سنة، إلى متى سنبقى عالقين بانتظار القيامة، متى سيعود الغرباء من غربتهم، متى تنتهي المهزلة، متى نفرض شروطنا ونكفّ عن الانسياق إلى شروطهم،

رحلة العودة يخطها لنا الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي في كتابه “رأيت رام الله” الذي صدر 1997 وتُرجم إلى لغات عديدة. يروي لنا الحكاية منذ البداية، من نقطة الجسر الذي غادره وهو شاب طالبٌ على مقاعد الدراسة في مصر، ليعود إليه أبا لشاب.

في الكتاب مفارقات عديدة، وقد وصفه إدوارد سعيد المثقف والمفكر الفلسطيني الذي عاش تجربة مماثلة حين عاد إلى فلسطين بعد 45 عاما:

“إنّ عظمة وقوّة وطزاجة كتاب البرغوثي، تكمن في أنّه يسجّل بشكلٍ دقيق موجع هذا المزيج من مشاعر السعادة، والأسف والحزن، والدهشة والسخط، والأحاسس الأخرى التي تصاحب هذه العودة. وفي قدرته على أن يمنح وضوحًا وصفاءًا لدوّامة من الأحاسيس والأفكار التي تسيطر على المرء في مثل تلك الحالات . إنّ التميّز الأساسي لكتاب “رأيت رام الله” هو في كونه سجّلًا للخسارة في ذروة العودة ولم الشمل.”


Advertisements