أين الرئيس؟

Posted on مايو 30, 2011

2


صامتٌ هو، لا يعكّر صفوى هدوئه بالعاصفة الهوجاء التّي تلفّ داره. لا يصدر صوتًا ولا همسًا ولا حتّى همهمةً، يكتفي بالتجوّل بسكون. لا يريد من أحدٍ أن يلتفت إليه، أن يدرك أنّ الذي ما يزال ثابتًا مع تقلّب الأيام هو الرئيس، لا يريد من أحدٍ أن يكتشف حقيقة أمره. فهو رغم كلّ ما مرّ من كرٍّّ وفر يبقى واقعًا مفروضًا لا مفرّ منه.

هو سيبقى على حاله، لن يُرهق نفسه بإلقاء الخطابات التي تدينه أكثر ممّا تعود بالنفع عليه، أصلًا هو لا يملك الكثير ليقوله. اختفى كلّ ما كان ماثلًا أمامه من كلمات، ذابت عن لسانه الحروف، وبقي هو وحده، تأخذه أفكاره، تتلاطم في عقله كموج البحر الهائج، دون أن تذهب بعيدًا إلى خارجه.

ولّى زمنه، لم يعد أمامه المزيد من الوقت، أوراقه يخسرها يومًا بعد يوم، ورغم كلّ ما يحاول فرضه من حصار، لا يزال ذلك الشعار يطنّ في أذنيه، يهزّ عرشه. يسمع بالقتلى، ولكنه لا يراهم. يسمع بالمدارس التّي تعجّ بالمعتقلين من كلّ شكلٍ ولون، ليس هذا ما أراده، لكنّ إصلاحه جاء على هذه الشاكلة.

يقول تشرشل، أنّه إذا ما طرق على بابه في الصباح الباكر طارق وكان متأكدًّا من أنّه بائع الحليب فهو يعيش في بلدٍ ديموقراطي، يتساءل الرئيس من يطرق بابي إذا كنت أعيش في بلدٍ عربي، من أين نأتي بالسلم إن كنّا لا نسقي الأرض غير الدّم.

اختفى الرئيس، غاب عن الأنظار، لم يعد يطلّ على شعبه ليقنعهم بالمؤامرة الخارجية على بلادهم، وبفلول الإرهابيين الهادفين إلى زعزعة الاستقرار. لم يبدأ إصلاحًا كان وعد به منذ بداية الرواية، يوم كان مجلس الشعب يضجّ بالهتافات وأبيات الشعر المادحة لشخصه ونظامه. لكنه الآن لن يجد من يصفق له، لذا سيكتفي بالامتناع عن إلقاء أي خطابٍ بالمناسبة. سيلوذ بنفسه خلف جدران الصمت، سينأى بعيدًا عن كلّ خلاف. ويوم يعود الخارجون من منازلهم أدراجهم، سيكون هناك بانتظارهم، لن يفوّت عليهم خطاب النصر المظّفر على المخربين المندسين الذين حاولوا تدمير البلاد، لمن صوّبوا الرصاص باتجاه راكبي الملّالّات، سيهلّل وحده، ويفرح وحده، ويزهو بانتصاره وحده… يفكّر ثانيةً.

اختفى الرئيس، وكأنّ لا شيء يحصل على أرض الوطن، أقال الحكومة، وأغلق باب القصر ورائها، ولا أحد يعلم ماذا يفعل خلف الأسوار، لا أحد يراه. من ماتوا ليسوا أبنائه، ولا أهله ولا أحدًا من أقربائه، لن ينكسر قلبه عليهم،لن يخشى الانتقام، فهو الرئيس المحميٌّ خلف ألف باب، لا يسمع أيّ نداء، ولا تصل إلى أذنيه نتفًا من الإهانات، هو أطفأ التلفاز، وذهب لينام..

Advertisements