متى يعلنون وفاة الثورة

Posted on مايو 22, 2011

0


“المرء لا يقيم حكمًا استبداديًّا لحماية الثورة، وإنّما يشعل الثّورة لإقامة حكمٍ استبدادي..” جورج أورويل

لماذا نحلم بالثورة، وهل الثّورة إلّا سجنٌ آخر يحبسنا في عتمة عوالمه، يجعلنا عالقين في دروب تعرف بدايةً دون نهاية. الثورة ماهي إلّا حدثٌ يرمينا في خضم التاريخ، يجعل من ماضينا نكبة، ومن حاضرنا نكسة، ومن مستقبلنا موعدًا للتغيير. الثّورة مؤلمة، ترمي ناسها بنارها، تحرقهم بلهيبها دون تمييز، تأخذ ثمن صمتهم وهوانهم أرواحًا وأجساد، تستلذّ بطعم آملهم، بالصّور التّي رسمتها مخيلتهم لحياةٍ تأتي ما بعدها. الثّورة ظالمة، تعطي للجميع حقّ الكلام، وحقّ القتل، وحقّ الهروب، وحقّ الاختباء في الجحور. الثّورة لا تعرف إلّا النقمة، والانتقام، تأخذنا إلى الهاوية دون أن ندري. تجعل كلّ من يسقط فدائها شهيدًا سواء كان قاتلًا أو مقتولا. الثورة حمراء، تجلّلها المرارة، تزيّنها خيبات الشعوب، تعلن موتهم في اليوم الذي حدّدوه موقتًا لميلادها. الثورة نفسها لا تعرف من هي، تظلّ ضائعة تائهة تمنح بريقها لكلّ لاهث، تنفخ سعادتها في كلّ أذن، لكنّها تتلاشى سريعًا، تُظهر ما كانت تكتمه منذ الدقيقة التي رأت فيها شعلتها تتوّهج.

ما تزال الثورة تتخبط في كلّ مكان، تُسقط رؤوس الأنظمة دون أطرافها لتبقى مسيطرةً على زمام الأمور. لم ينتهي معها التعذيب ولا الترهيب، ويتواصل مسلسل القمع العربي بحقّ شعوبه دون أن يأتي على ذكر النهاية، وكأنه قدرنا أن نبقى نطلّ برؤوسنا من تحت حذاء. لم تعلّمنا الثورة شيءًا، سوى أنّها زادت من عدد الأفواه المتلهفة إلى الكلام. لم تجعلنا أكثر وعيًا لانتمائنا الوطني، لم تمحِ شبح الحرب الطائفية الذي يلوح عند كلّ أفق، جعلتنا نُسقط ديكتاتورًا لنرفع آخر. لم تستطع أن تحاسب أو تحاكم، ظلّت أقرب للصنم، تنتظر منّا تمجيدًا وتهليل، ونحن نتوّقع منها حلولًا جذريّة تهبط علينا من السماء لحالةٍ من البأس المزري الذي نعيشه منذ قرون.

الثّورة تموت إذا لم نسقها إكسير الحياة، تذهب مع الريح ولا تخلّف ورائها إلّا الوجع والألم لمن بقوا وكانوا تحت ظلالها وليس على من رحل. الثّورة لا يمكن أن تبقى أسيرة أحلامنا الفاضلة، الثّورة يجب أن تموت لتخلق حياة، يجب أن تُدفن لتتجدّد. لن نبقى في مرحلة الثّورة إلى الأبد، لن نغرق في حالة الثّورة دون هوادة. شيءٌ ما يجب أن يأخذ مجراه، لن نبقى عالقين في مرحلة المخاض، نريد أن نرى المولود الجديد، نريد أن نعيش في الفجر الجديد، وأن لا تعود خيالات الليالي الماضية بالبروز عند مفترق الطريق المؤدي لبناء الوطن.

Advertisements