ثلاثية نيويورك

Posted on مايو 11, 2011

0


لم  أعرف بول أوستر إلّا مؤخرًا، ” وثلاثيّة نيويورك” هي الرواية الثالثة التي أقرئها له بعد رواية “ليلة التنبؤ” التّي أذهلتني بأحداثها وخاتمتها، ورأيت فيها أسلوبًا فذًّا وقدرة غريبة على نسج الأحداث، أمّا الرواية الثالثة فكانت ” اللامرئي” والتي قرأتها بلغتها الأصلية ولم أجدها بالمستوى الذي عوّدنا عليه الكاتب.

وبول أوستر كاتب أميركي ولد عام 1947، وهو يعيش منذ عقود طويلة في بروكلين في نيويورك. وهو بعد دراسة جامعية شملت دراسة الأدب الفرنسي اشتغل في الصحافة ثم في الترجمة – حيث نقل الى الإنكليزية أعمالاً لسارتر ومالارميه وبلانشو – قبل ان ينصرف الى كتابة الشعر والرواية، بادئاً، في شكل فعلي، عام 1982 مع نشر «سكويزبلاي» تحت اسم مستعار هو بول بنجامين. وتلت ذلك «ثلاثية نيويورك»، ثم أعماله المتتالية: «مون بالاس» (1989)، «موسيقى المصادفة»، «لفياتان» «مستر فرتيغو»، «شمبوكتو» وصولاً في السنوات الأخيرة الى «سفرات في الكتب» و «رجل في الظلام» و «اللامرئي» وأخيراً «سانسيت بارك» التي تصدر هذا العام. وكل هذا إضافة الى المجموعات الشعرية والسيناريوات والدراسات التي من أشهرها «اختراع الوحدة» و «فن الجوع».

والحديث هنا سيكون عن “ثلاثيّة نيويورك” التي نشرها الكاتب عام 1987، وهي لحدّ الآن لم تفقد بريقها ومتعتها في اجتذاب القارئ. وتتألف الرواية من ثلاث حلقات، تتشارك المكان والأسلوب التشويقي الممتع، حيث نجد البطل وحيدًا في وجه خيالات فرضت نفسها على مجرى حياته، لتدفعه إلى التفكير في داخله، والغوص في حقيقة وجوده، ليجد نفسه عالقًا في محطة مفصلية، تضعه على حافة الهاوية، فإمّا يسقط إلى الدرك الأسفل ليكون غير قادرٍ بعد ذلك على متابعة المسير، وإمّا يتّخذ قرارَا يقلب حياته رأسًا على عقب، ويغيرها إلى الأبد.

في القصّة الأولى ” مدينة من زجاج” يزج كوين، وهو كاتب رواياتٍ بوليسيّة عاش ماضٍ مؤلم، نفسه في مُهمّة قبِل أن يقوم بها إثر اتصال جاء عن طريق الخطأ. مهمّة يكون فيها تحريّا خاصًّا يحمل اسم بول أوستر، ويجري تحقيقاً حول داعية ديني متطرف يدعى بيتر ستيلمان، أطلق سراحه لتوه من السجن، و ينوي قتل ابنه، الشخص الذي وكّل كوين بالمهمّة، هذا الابن الذي حُبس على يد والده من أجل قضيةٍ كان يؤمن بها الوالد عالم اللاهوت وتتمحور حول اللغة الجديدة التي تنقذ العالم من حال اللاتواصل واللاتفاهم السائدة. ليغدو كوين أسير هذه القضية لا يعرف الفكاك منها.

في الرواية الثانية «اشباح» لدينا أول الأمر نوع من المطاردة بين اشخاص عدة في شوارع نيويورك، غير ان هذه المطاردة سرعان ما تتحول الى نوع من البحث عن هوية فردية، أو حتى جماعية. اما الشخصيات الأساس في هذا النص فإنها شخصيات تحمل أسماء الألوان. فأزرق، وهو تحر خاص يكلف من قبل المدعو ابيض، بملاحقة المدعو أسود، الذي يكون هو ذاته أبيض، ليغرق أزرق في دوّامةٍ تدفعه إلى قتل أسود. ولافت حقاً، ما يقوله لنا الراوي في نهاية هذه الرواية «في أحلامي السرية، أحب أن أتخيل أزرق وهو يقطع تذكرة لسفينة تقوده الى الصين. فلنقل، إذاً، انها الصين ونتوقف هنا. لأن هذه هي اللحظة التي ينهض فيها أزرق عن كرسيه، يضع قبعته على رأسه ويعبر الباب. واعتباراً من تلك اللحظة، لا نعود نعرف شيئاً».
وفي «الغرفة المقفلة» قصّتنا الثالثة والأخيرة، تدور أيضًا حول كاتب آخر، يدعى، هذه المرة فانشاو. وهذا الشخص يختفي منذ بداية الرواية مخلفاً وراءه زوجته صوفي وابنه بن، ومخطوطاته التي يعهد بها الى صديقه… الذي يلعب هنا دور الراوي… الذي لا يكتفي بهذا الدور، بل يستولي على حياة الكاتب المختفي وينشر مخطوطاته وينتهي به الأمر الى الاقتران بصوفي وتبنّي بن.

ثلاثيّة نيويورك روايةٌ تستحقّ القراءة.

لتحميل الرواية:

WWW.4SHARED.COM

Advertisements