تحت زيتون الشوارع

Posted on مارس 6, 2011

0


كلما أصبحت جزءا من فكرتك قالوا إنك موشك على الجنون، أما حين تصبحها فإنك الجنون نفسه، كأن هناك مسافة أمان لا بد منها بينك وبين نفسك…


المكان: مخيم من المخيمات الفلسطينية المنتشرة في الأقطار العربية

الزمان: زمن المأساة الفلسطينية التي لا تنتهي

الأبطال: سلوى- عبد الرحمن- السّت زينب

تضيع الرواية، تدخل في دوّامات الأحداث، لا تقدر على اللحاق بها، تلهث، تمامًا كما أبطالها، تتداخل حياتهم من دون أن تكون متداخلة. تذوب تفاصيلهم في مجرى الحكاية. مريعةٌ هي قاسية، تضغط على أرواحهم، تزهق عقولهم، فتدفعهم إلى حافة الجنون، وتجبرهم على النظر إلى الهاوية.

يتواطئ الجميع عليهم، أعزّ الناس إليهم يحدّدون أسعارهم، يبيعونهم لقاء منزلٍ أو مال، هو زمنٌ رديء، أقسى ما فيه أنّه من دون روح، لا راحة فيه إلاّ بين أمتار معدودة، في قبرٍ يجبرك الآخرون على اختيار تفاصيله.

يرهقك الأبطال في ضياعهم المستمر، يذهلونك في تدّفق ذكرياتهم، كنهرٍ لا يقف أمامه سد. شيءٌ ما يسيّطر على حياتهم فيتحكّم بها، يخرجها عن طورها، ربّما هو المنفى.. وطئة العيش دون وطن، والرغبةُ الثقيلة بحضن دافئ تنتمي إليه. غياب كلّ من يحبّك تحت ثرى تراب، الوداع المحتوم، صدى الأعراس المجبولة بالدم، كلّها ذكرياتٌ تركّب حياة معقّدة لا سلاسة فيها إلّا للموت..

سلوى الجميلة، خطيبة الشهيد، الفتاة التّي يرغب بها الجميع، يتقاتلون عليها، يصبح جسدها ملكية عامة للمارين. تُغتصب وتُغتصب إلى حدّ الجنون، لا يقدر أحدٌ على نجدتها من براثن الطامعين المسيطرين الممسكين بزمام القضية المطالبين الجميع بالمزيد بتقديم أغلى ما لديهم من أرواح وأجساد.

والسّت زينب، أمّ الشهيد، التّي ضحّت وقدمت على مذبح الوطن قربانًا تلو آخر، الزوج والابن فداءًا للقضيّة ودفاعًا عن أرضٍ لا تصل إليها إلّا على يساط الحلم، نراهم يعذبونها ويدفعونها إلى الغرق في بحر الصمت والسواد.

وعبد الرحمن الصحافي والكاتب الذي التجئت إليه سلوى لتحكي قصّتها، يدخل في قلب الأحداث ويقدّم روايةً من صفحاتٍ بيضاء تعميةً للحقيقة وخوفًا من الكبار، لا يريد أن يُسمع لها صوتًا مع أنّها تظلّ تلاحقه دون هوادة في ليله ونهاره، تدفعه للانتظار في المقبرة للتفتيش عنها بين شواهد القبور، ما يحصل في المخيم يبقى هناك، يُدفن بين العظام والتراب، لا يطير خارجًا دون إذنٍ أو رقابة…

قد يصعب ملاحقة الرواية، ربّما لا تستساغ، ليست متماسكةً كرواية “زمن الخيول البيضاء” لكنّها تستحقّ القراءة…

“زيتون الشوارع” روايةٌ عن الشّتات، عن الحياة في المخيم، عن الشعب بلا أرضه. إنّها حكايةٌ عن قسوة الاغتصاب والضياع، عن غياب الأخلاقيّات والضوابط، عن انعدام الآمان بين أبناء الوطن الواحد، حكاية عن الذئاب والنعجة… الكلّ ضائع، يبحث عن حضنٍ دافئ ولا يجده إلّا داخل قبره…

Advertisements