من يقنعني بالعلمانية

Posted on مارس 1, 2011

0


ما أحاول فهمه هو العلمانيّة. أنا ضدّ الطائفيّة، وهذا أمرٌ مفروغٌ منه، أكره التقسيم والحديث عن كلّ ما يفرقني عن الآخر، أكره أن يصنّف البشر وفقًا لولاءات وانتماءات لم يكن لهم يدٌّ في اختيارها.

لكنّني لا أستطيع أن أفهم العلمانيّة، هل هي فصل الدين عن الدولة، أم أنّها قتل الدين. هل هي الحرية أم سجنٌ آخر يحبسنا ويلقي بثقله علينا.

بالنظر حولي في هذا العالم، لم أرَ دولةً علمانيّة تحترم كامل شعبها. تعاملهم على أساس المساواة، لم أرَ أحلامًا ورديّة تتحقق بل مزيدًا من الرفض والاضطهاد والكراهية.

أرى في العلمانيّة أصفادًا حديديّة، تُقفل على رقاب العباد، تمنعهم حتّى عن التقاط الأنفاس، تجبرهم على العيش وفق شكلٍ معين، وتتهم كلّ من يخالفها باتّباع التّرهات والغيبيات.

الله في العلمانيّة التي أراها، لا وجود له، يُستأصل من قلوب الجميع، يُرمى بالاتهامات، يصبح حتّى ذكره خيانة عظمى، مصدرًا للتخلف عن ركب العالم المتحضر.

لا أظنّ أنّ ما نعاني منه هو الدين، إنّها الطائفيّة. سطوة الطوائف على حياتنا، قدرتها على تقرير مصيرنا، على الإطاحة بكفائتنا بحجّة المحاصصة.

من يضمن لي أنّ العلمانيّة التّي يُطالب بها، لن تفرض قانونًا على حجابي، على لباسٍ ارتديته بكامل إرادتي، من يضمن لي أنّها لن تنظر إليّ كمتخلفة تلتحف غبار التاريخ. من يقنعني أنّ العلمانيّة ستقبلني بأيّ منصب حتّى ولو كان على رأس جمهورية، بغضّ النظر عمّا أرتدي وما أعتنق، مادام البشر في العلمانيّة أمام المناصب سواسيّة.

من يضمن لي أنّ العلمانيّة ستنجب مجتمعًا سليمًا يتمتع بمواصغات بشرية بعيدًا عن أجواء حريةٍ بنظري هي أكبر من عبوديّة.

ما أريده من الجميع دون استثناء، هو أن نتطلع إلى دولٍ غيرنا جرّبت ما نطالب به، أن نتمعن أكثر، هل انتهت مشاكلها.

أريد أن يكون تغييرنا أكثر عقلانيّة، لا عشوائيًا يختلط بأحلام وتوّهمات أفراد. لا يحتاج التّقدم إلى فصلٍ من العلمانيّة، لا يمنع الدين أحدًا من الاختراع، لا يقف في وجه علمٍ ولا بحثٍ ولا آلة. لا أرى بالعلمانيّة حلًاً، ولا أرى ببقاء الوضع على ما هو عليه أمرًا مقبولًا.

نريد التغيير، ولكن نريد شيئًا يليق بنا، ينتمي إلينا، يتناسب مع مقاساتنا. لا أريد تبديلًا أحمق، يغرّبنا عن بعضنا، يبني فواصل وعوازل بيننا. شيءٌ يناسبنا، يُمحي ما عانيناه طوال تاريخنا، لعنة الطائفيّة، لغة أنفسنا، التّي ترفض الخروج عن خطى قطيعٍ يشبهها.

Advertisements