حمّى الثّورة..من المنامة إلى بنغازي

Posted on فبراير 20, 2011

0


مرضٌ خطير أصيبت به الشعوب العربيّة، كان البعض يظنّ أنّ لديها حصانةٌ ضدّه، اجتاحت الثّورة أراضيها كالنار في الهشيم المستعر. لم يكن لدى أحدٍ فكرةٌ متى سينتهي الأمر، وإلى ماذا سيؤول. فالمرض بدى وكأنّه عُضال، طاعونٌ يستشري، يفتك بالعباد، يُتلف عقولهم، يجعلهم يتصدون لرصاصات حيّة بصدورٍ عارية، يمكنّهم من النوم في الساحات دون أن يهابوا أيّ مكرٍ أو عدوان. يفترشون سلاسل الدّبابات، يهتفون بصوتٍ واحد، ضدّ شخصٍ واحد، هَرِم وهو جالسٌ على سدّة الحكم، يتوارثه الأبناء عن الآباء كقطعة أثاث، كلوحةٍ عُلّقت على جدار.

ملكًا كان أم رئيس، تراه لا يشبع من السلطة، وكأنّها لم تُخلق إلاّ له، يفتقر لشجاعة أن يرى أحدًا مكانه. فهو وحده القادر على تسيير شؤون البلاد، يعرف كيف يحكم في الظلام، يعرف أسرار الدولة وهيبة السلطان. لا يهمّه إن دهس شعبه، فلولاه لما كان شعبٌ على أرض وما كان نظام، يسحق الآخر كما ذرّات الغبار، يطلق الرصاص عليه، يجبره على الاصطدام ببعضه، يخلق حربًا، يصنع إرهابًا، لكنّه لا يتزحزح من مكانه.

يلتصق اسمه بالوطن، يصبح الرمز والقضية، يسرق أمواله بخفّةٍ وخفاء، يجني ثروةً وهو يُساوم شعبه على خبزه، يخنقهم على أرضهم بحجّة الأمن، يقطع عنهم هواءهم، يَفنيهم لكي يعيش، يُمنيهم بالاستقرار، ويهدّدهم بالفوضى، بالفقر، بالعيش في عوالم من الخوف والاضطهاد.

في منامة البحرين، الجيش نزل بعدّته وعديده، اقتحم المواقع، صوّب، أطلق النار. وكأنّه في ساحة حرب، في معركة حياة أو موت، الجيش يتصدّى للأعداء، لمن طالب بالمشاركة في الحكم، لمن يبحث عن صوتٍ له في أرضه. الجيش يقتل المتظاهرين النائمين بسلام، يرديهم واحدًا وراء آخر، لا يقبل مساومة، ولاحقًا يرسل اعتذار. العالم ينظر إلى البحرين، لا يراها لصغر حجمها، لكنّه يكاد يجزم بسماع أصواتٍ من الشعب تطالب بالحرية. والعالم ينظر إلى دماءٍ تتساقط بصمت، لا يحرك ساكنًا، يرى حكّامًا يخيفون شعبًا بحربٍ أهليّة، بطائفيّّّّة. لكنّ الحاكم لا يعلم أنّ الشعب استيقظ، أنّه قام من تحت الأنقاض، أنّ الشعب يعرف تمامًا ماذا يريد، وهو عازمٌ على تحقيق الحلم دون تأخير. فالشعب لن ينام بعد الآن.

في ليبيا، الرئيس يؤيد نفسه، ينزل إلى الشارع يتظاهر مطالبًا بإبقاءه على كرسي الحكم، اثنان وأربعون عامًا مرّوا كلمح البصر، وهو يريد المزيد، قليل من السنين يا رفاقي، وأرحل، دعوني أموت على قبّة الحكم، هذا ما أبغيه. الرئيس بثّ فرق موته، أطلق النار على كلّ من خالفه الرأي. فهو معمَّر، كيف لم يفهموا اسمه منذ البداية، شعبٌ أحمق، لا يفقه أسرار الكلام. الرئيس لا يموت إلاّ وهو في السلطة، يقمع شعبًا أراد رحيله، يقلعه، يُخفي بعض من أزعجوه وكأنّهم لم يكونوا، فهو يجيد لعبة الإخفاء. مذبحةٌ ما يجري في ليبيا، البلد مقطوعٌ عن العالم، لا اتصال ولا تواصل، يُقتل فيه الناس دون حياء، يصّفوّن بعيدًا عن الكاميرا. الرصّاص يخترق المتظاهرين ببساطة، هذا ما تجيده الحكومات، هذا ما يريده الرئيس، قليلٌ من الكلام، كثيرٌ من الرصّاص والموت، وينتهي الأمر..

وما بين البحرين وليبيا، تأتي صنعاء، بشعبها المعارض وجهًا لوجهٍ مع شعبها الموالي، لعبةٌ أحبّها الرئيس، وكان يحلو له أن يلعب بها، مادامت ستمنحه أطول فترةٍ ممكنة للبقاء على كرسيّه. هو يرى نفسه صالحًا لكلّ الأزمان، قادر على تولي زمام أمورهم في كلّ آن. تذكّر يوم أراد أن يطّلق السلطة بعد اثنين وعشرين عامًا لكنّهم رفضوا. واليوم يصرّون على رحيله، يتحركون ضذّه، وهو هناك على عرشه، ينظر إليهم من علٍ، وهم يتراشقون الحجارة، يتقاذفون النار، وهو جالسٌ لا يهتز له جفن..

Advertisements