غضب الشعب

Posted on يناير 28, 2011

0


غضب الشعب في مصر، أراد أن يخلع الفرعون عن عرشه، نزل إلى الشارع، رفض الإرث والتوريث، طالب بحقّ الحياة، برفع الكتمان عن صوته، صرخ عاليًّا، جعل جسده درعًا بشرية ضدّ الرصاص والمياه، منذ زمن وهو يبحث عن الكرامة، عن عزّة اختفت وراء ألف باب، عن مجدٍ تغطّى بنتف غبار. الشعب في مصر غاضب، تجتاحه مشاعر الثورة، تضغط عليه ليل نهار، تدفعه إلى القيامة، تحاول إخراجه من تحت رماد الفساد. اخلع عنك جبّة الخوف، زلزل من ارتضى أن يمتّص دماك. كلّ ما تريده هو أن تحيا، أن تخلق أملاً، تغييرًا، شيئًا ما. احتل الشعب شارعه، أرضه، وطنه..شبّانًا نزلوا، عجائز وأطفال، طفح الكيل، هكذا قالوا،الشعب يريد إسقاط النظام.

غضب الشعب في لبنان، كيف يسقط رئيسه قبل أن يشتدّ عوده، نزل إلى الشارع، أضرم النيران في كلّ ما وقع أمامه، رفض التغيير، اعتبر الأمر إهانةً لطائفة. لن يكون رئيس حكومةٍ أباه لم يعرف يومًا دارها، الابن سرّ أبيه قال. صرخ عاليًّا، اعتدى على كلّ ما يذكّره بحزبٍ ما،شخص ما. الشعب يريد لزعيمه أن يبقى في السلطة، لا يصحّ لأحدٍ أن يغتاله في ريعان شبابه. ما همّه غلاء الوقود، ارتفاع سعر رغيف الخبز، طوابير العاطلين عن العمل، ما همّه أنّ البلد على شفا جرفٍ هار، فالشعب في لبنان اعتاد الأمر، الزعيم هو السرّ الدائم لديه، سرّ الفرح، وسرّ الحزن، الزعيم هو الأمل، هو المستقبل. الشعب في لبنان غاضب، يأبى تغيير مسلسل اعتاد مشاهدته، حفظ مشاهده وأبطاله، كلمات السيناريو يرددها دون صعوبة، الشعب رفض الحلقة الأخيرة، رفض أن ينتهي الأمر هكذا، فهو يعشق النهايات الدرامية أكثر، نهايات مليئة بالعواطف الجيّاشة بالحب والكره. من أجل ذلك نزل إلى الشارع هكذا قال، الشعب يريد إسقاط الحكومة.

غضب الشعب في تونس، استفّزته الحياة لدرجة أشعل بها النار في جسده. أراد في البداية أن يرحل، أن يفتّك من نظامٍ خنقه، من أخٍّ كبير حوّل حياته إلى جحيم مستعر، نزل إلى الشوارع، ملىء الساحات، توّهج فأنار بضيائه ظلمة لياليه الحالكة، هو الشعب انفجر، ثار دونما حياء،طرد الطاغية من بلاده جعله يرحل. الشعب في تونس يريد طقمًا سياسيًا جديدًا، لا آثار عليه من الماضي البغيض، يريد أن يمحو أيّامًا صُبغت بالكبت والخوف والتعذيب، لا يريد أحدًا كان رآه، الشعب يريد كلّ جديد، هكذا قال، الشعب يريد إسقاط الرئيس والحكومة.    

 لم يسبق لأحدٍ أن رأى الشعب غاضب، فالشعب كبيرٌ ضخم، لا يمكن لعينٍ واحدة احتوائه. كان الشعب آخر من قد تتخيل غضبهم. لكن الشعب غاضب، غضب دون أيّ إنذار سابق، ربما كانت تبدو عليه علامات في الآونة الأخيرة لكنّ أحد ما ظنّ أنّها مؤشرات الغضب. كان الشعب يكابر على نفسه، يكتفي بتخيّل الأمل، يقول سأخرج يومًا لأرى شمسًا وحريّة. يعدُ نفسه بصورٍ مليئةٍ بالألوان، بموسيقى عذبة تنساب دونما استئذان، وحده كان يحلم، يتراءى له شيءٌ أبعد من السراب، يحيا بهدوء تنهدّاته كلّ مساء، بسكون خطواته المتثاقلة، المتّجهة إلى هدفٍ ما. لم يخطر ببال أحد أنّه الغضب.. قد فات الآوان.. فالشعب غاضبٌ الآن.

Advertisements