ماذا يريدون منّا؟

Posted on يناير 24, 2011

0


كم من الأوطان يخذلك، يطردك عن أبوابه، يغلق معابره أمامك، يسجن روحك ويطلق جسدك، يحاول تصفيتك من جموعه البشريّة، يخفي أكثر ممّا يُظهر، وأنت مازلت تعود وتزحف إليه، تستجدي عطفًا، كطفلٍ ضاعت منه أمّه على وجل.
من الأوطان من يدفنك، يهيل التراب عليك ثمّ يمشي، يخنقك، يذبحك، ثمّ يمشي، وكأنّك ما كنت هناك، ببساطة الموت وسلطة الحياة، تختفي…
لا أحد يذكرك، تتوارى خلف ستائر الكذب والخداع، تغيب كما الشمس لكنّك لا تعود بعد شروق.
غريبةٌ هي الأقدار، كيف تتخطط سلفًا، تُكتب بالدم والنار دون أن تمحى، ترمي بوطئتها على أنفسنا، تُثقل كاهلنا، تدفعنا إلى الجنون باكرًا، تشجعنا على العبث، تشعل شيئًا ما بداخلنا، زيتنا السرّي ربّما، ثمّ تتركنا نخبو وننطفئ على حافةٍ تفصل المرئي عن اللامرئي.
ماذا يريدون منّا؟
يريدون أن يجعلوا لكلّ فردٍ وطن، يريدون أن نحيط أجسادنا بأسلاك شائكة.
وسوف ندور وندور حول أنفسنا، يحتاج الآخر للحديث معنا إلى تأشيرة، إلى سفارة تُفتح في جهازنا الداخلي.
يريدون أن نرفض أي آخر لا تجمعنا بينه صلة دم ولحم ودين، أن نتقوقع فلا نطلّ برؤوسنا إلى الخارج خوفًا من أن تقطع، فالخارج مساحةٌ مجهولة، عالمٌ مليءٌ لا ينتمي إلينا.
نحن الغرباء حتّى عن أنفسنا، نصنّف كل من يقع أمام أعيننا بسرعة الضوء، هو منّا ومعنا أم علينا، نعرفه بلسانه بلباسه، بتحديقة عينيه، بشيءٍ ما رسم على جبهته.
فزعنا الأكبر هو الآخر، خوفنا من أن نلتقي به ويخوننا صوتنا، رعبنا من أن لا تعجبه أفكارنا وآرائنا، وقْع صمتنا وصدى كلامنا.
كلّ هذا جعلهم يعرفون نقطة ضعفنا، يعرفون كيف يضغطوا دون جهد، يعرفون ماذا يريدون ويطلبونه دون جسارة، ونحن نعلم كيف نرضيهم، كيف نكون تمامًا في مستوى طلباتهم،ما رفضناها يومًا، يجرون ونجري ورائهم، نلهث من كثرة ما نركض دون توقف.
نحرق، نشتم ونقتل، نرفضهم في العلن ونؤسس لسيطرتهم في السّر،
متّى نكّف عن العبث بمستقبلنا، كيف نمضي دون أن يشعروا بنا، كيف نخطو بجرأة أكبر، بفورة الثّورة في أنفسنا، كيف نطلق أرواحنا بعيدًا عنهم، وأجسادنا تفتكّ من تبعيتهم..

Advertisements