ماذا أراد محمد بوعزيزي؟

Posted on يناير 19, 2011

0


لو قدّر لمحمد بو عزيزي العودة إلى الحياة لطالب بسن قانون يمنع الإنسان من إحراق نفسه كتعبير على الاحتجاج. لم يدري محمد بوعزيزي أنّه بإضرام النار في جسده سيغدو قدوة لآلاف من الشباب العاطل عن العمل، الباحث عن ذرّة من أمل، شبابٌ يرى فيه خطوة جريئة تدفعه إلى الخروج من هذا العالم بطلاً، مرفوع الرأس موسومًا بلقب المدافع عن الكرامة والشرف.

لم يدري محمد بوعزيزي أنّ هناك آلاف من الشباب يتوقون مثله للخروج من بلادٍ أحكمت قبضتها على خناقهم، واشتدّت وطئتها على أرواحهم، بلادٌ يحلمون بهجرها، وسبّها، ولعنها، كلّ لحظة لكثرة ما جارت عليهم وعلى أحلامهم.لم يدري محمد بوعزيزي أنّه سيضحى الشعلة المتوّهجة في الطريق إلى الثّورة والحريّة، وبأنّه سيتلألأ في سماء كلّ دولة طاغية، تستقوي بقتل شعبها، من دون أن يقدر أحدٌ على أطفاؤه.

كلّ هذا لم يخطر ببال محمد بوعزيزي يوم رأى جسده يتوّهج، شيءٌ واحد كان يملأ قلبه ويصرخ في داخله، الرغبة في الانتقام من حياةٍ قاسية فرضها حكمٌ متجبّر داس عليه وعلى الكثير الكثير من أمثاله المتعلمين الباحثين عن فرصةٍ مختبئة تحت سابع أرض. محمد بوعزيزي أراد أن يكون حالة وليس مثلاً، حالةٌ لشاب وصل إلى قعر اليأس، إلى نقطة تقع دون الصفر، لم يعد قادرًا على تصوّر الحياة، تلاشى لديه حسّ الأمل، وكلّ شيء معه انطفئ.

أراد بوعزيزي أن ينتفض ضدّ حياةٍ أذهلته قسوتها، أرعبته بأيّامها السوداء الحالكة الظلمة، بصمتها المطبق بجفاء. لم يفكّر وهو يشعل نفسه بالثّورة، لم يخطط لإسقاط حكمٍ ودكتاتور، كلّ ما أرادهو أن يُرى.. أن يلتفت إليه أحد ويقول له نعم أنت موجود، نحن قادرون على رؤيتك، نستطيع أن نشعر بك وبآلامك، بعزّتك وعنفوانك، أنت كائن حي كما نرى، لا تحتاج للخبز وحده لكي تحيا،                                                                                                                        

محمد بوعزيزي أراد أن يجلو الغشاوة عن العيون، انظروا إليّ أنا شعلةٌ ألتهب، لا أحتاج منكم شيئًا إلاّ أن تعترفوا بي وبما لحق بي من ظلمٍ وقسوة.. أنا البداية، هذا ما قدّر لي أن أكونه، أكملوا الطريق إلى ما بعد القيامة، بجسدي أنرت عتمة الزوايا، لا تحترقوا جميعًا فيرتاحوا، لا تشعلوا النار في أبدانكم بل ثوروا وثوروا..

Advertisements