الرئيس في آخر لحظاته

Posted on يناير 15, 2011

0


ركع الرئيس أمام شعبه، استجداهم ليبقوه على الكرسي الذي أدمن الجلوس عليه، كيف يصف لهم هيامه به، ما من أحدٍ قادر على ذلك، إلاّ من جرّب الجلوس عليه. أدمَنه، نعم، فمن لم يجرّب السلطة، والقدرة على أن يكون نصف إلاه،لا يمكن أن يفهم ما يريد. لن يجلس بعد الآن، سيظلّ واقفًا مدى الحياة، تمامًا كما أراد أن يكون رئيسًا مدى الحياة، هذا ما قاله في قرارة نفسه.

لم يعلم أنّ ثلاثة وعشرين عامًّا، قد تنجلي بلمحة بصر، يمعن النظر، هل حقًّا ظلّ متربعًا كلّ هذه المدّة، لم يصدق كيف احتملوه، أم أنّه كان خفيف الظلّ لهذه الدرجة.

كلّ ما حلم به، ظنّ أنّه تحقّق. عندما صعد يخطب فيهم لأول مرّة، يقسم أنّه كان لا يريد سوى خيرهم، لم يفكّر بغير آمالهم وسعادتهم، أراد أنّ يحقّق لهم كلّ ما يتخيلوه، أحبّ بريق الضوء في أعينهم، أحبّ هتافاتهم، وعشق منظر صوره تملأ الجدران والبيوت، وحتّى القلوب.

قتل من أجلهم، طهّر البلاد من الذين يفكّرون ويصيحون، فهو وحده يملك هذه الصلاحيّة، وهو وحده يعرف ما يريدون، خنق المئات، وطرد الآلاف، لم يكن سفّاحًا ولكنّه كان يريد أن يريح شعبه من وطأة التفكير، اتركوا الأمر لي، حدّثهم، واختفى وراء كرسيّه الملطّخ بالدماء.

كان يلتقي بقرنائه، يتباحثون معّا، أساليب الالتصاق في سدّة الحكم أكبر قدرٍ من السنين، تعجبه تأملاتهم ولأيّ درجةٍ من الدّهاء قد وصلوا، وفي كلّ مرّة كان يخجل من تخلّفه في أساليبه، فيعدّ العدّة من جديد، ويقرّر أن يقلّدهم لكن بإبداعٍ أكبر، فيقصّ ويذبح ويلصق وكأنّه في ورشة فنيّة لنقل الأحياء إلى طابور الأموات.

الشيء الوحيد الذي لم يكن يعرفه، هو الثورة، ما معنى أن ينتفض الشعب، ولماذا ينتفض، لم يستطع أحدٌ أن يشرح له كيف يقوم الناس ويرفضون الجلوس مرّة أخرى، كيف يمّلون سماع الوعود والكلام، جرّب أن يسأل كلّ من يعرف لكن ما من أحدٍ أجابه.

كان يخاف أن يصل إلى نقطة الثورة، فكّر هل يحذف هذه الكلمة من الكتب والقواميس علّ الشعب ينساها، أو أنّه يستبدلها بأخرى، فكّر كثيرًا لكنّه لم يجد حلّاً. ربّما لن يلتفت إليها أحد، فهو رئيس جيّد، وحاكم عادل، لن يقوموا بالثورة، هذا ما قاله، لن يثوروا أبدًا.

غير أنّ الشعب خانه أوّل مرّة وآخر مرّة، لم يعد يريده، الناس الذين هدر حياته في خدمتهم يقومون عليه وكأنّهم لا يعرفونه. أعطاهم خبزًا ووقود، لكنّه لم يعطهم حريّة، شيءٌ ما كانوا يطلبونه دائمًا، عند كلّ فرصةٍ تسنح لهم، ليس لأنّه لم يرد، لكنّه لا يعرف ماذا يطلبون، لم يسمع بهذه الكلمة من قبل، يريدون حريّة، من أين يجلبها، وهل تنتج محليًّا أم أنّه يستوردها من أسواق خارجيّة. فكّر مرّةً أخرى، واستشار معاونيه، والثورة ما تزال تشتعل خارجًا، الشعب ملّ الانتظار، ويريد أطنانًا من الحريّة، يصرخ ليل نهار، يُضمر النار في جسده، يتحرقّ شوقًا لجرعات هائلة طال انتظاره لها.

والرئيس يفتّش عن جواب ينقذه من الغرق في مستنقع لا قرارة له، والرئيس يفتّش عن طائرةٍ تقلّه بعيدًا بعيدًا في السماء خارج أقطار السجن الذي كان سجّانه، وإذ به ينقلب عليه ويرى نفسه خلف قضبانه، والرئيس يفتّش عن دولة، عن حضن دافئ يغمره بعد أيام الصقيع، عن بيت يشبه قصرًا شهد في لياليه وأيّامه محاولات حثيثة لشعبٍ أراد الحياة يومًا وكان للقدر أن استجاب.

Advertisements