بورما.. مذبحة الصورة

Posted on يوليو 16, 2012

3


تأتينا الصور من  بعيد، من تخوم الصين، راهبٌ بوذي يحمل جسدًا ينقص روحًا لطفلةٍ صغيرة، أشلاء بشريةٌ ممرغةٌ بالتراب، أجسادٌ متراصةٌ فوق بعضها البعض في منظرٍ مهول، موتٌ مشبّع لا أكثر. صورٌ  كثيرةٌ تطالعنا كلّ يومٍ على حساباتنا المختلفة مزيلة بدعواتٍ لنصرة المسلمين في بورما من المذابح على يد البوذيين في البلاد. صورٌ مخيفةٌ يتضح لاحقًا أنّها تعود لضحايا زلازل وظواهر طبيعية  هزّت المنطقة هناك.

بورما أو ماينمار اسمان لدولةٍ واحدة تعيش تحت حكم مجلسِ عسكري كما عادته يضطهد البشر، من يذبحون ويموتون ليسوا بالضرورة مسلمين هم مواطنون بورميون من مختلف الديانات والأعراق. المجلس العسكري هناك يقتل كلّ من يجاهر بصوتٍ مختلف عن صوته، حكم الأخ الكبير وعائلة الجنرالات التّي ترى في الرعية جنود طاعةٍ لا أكثر. يحدث هنالك قتل، لكن ليس تحت مسمياتٍ دينية، هو قتل الدولة للمواطن المتعارف عليه جيدًا في عالمنا العربي.

كلّ هذا التجييش والحقن والصور المنهمرة علينا كالسيل العرم لا تفيد قضية البورميين بشيء، بل هي تسيء لهم، ذلك أنّ اللغط الشديد الذي طال الأحداث  يسلب الرغبة بالحراك. تداعي المصداقية يحوّل أعمال الاضطهاد بحقّ البشر والإنسان إلى مسلسلٍ كارتوني في أذهاننا، يسلب عنه لبّ الحقيقة، ينزع من الضحية حقّ البقاء على وجه الأرض، فنحن لا نعرف إن كان من الذبح في بورما حقيقة أم هي مجرد ضجّة افتراضية، لا نعرف إن كانت الأجساد الفارغة من الروح وهمٌ أم  هي من لحمٍ وعظام.

ما الهدف من أن يفيض العالم الافتراضي بصورٍ لا همّ لها سوى أن تحقن الناس وتثبت في رؤوسهم سياسة الإلغاء، ما الهدف من إظهار أنفسنا نحن المسلمين كحلقةٍ أضعف في كلّ البلاد. المسلمون يُقتلون، المسلمون يذبحون، المسلمون تسلخ جلودهم وتُشوى لحومهم  ويُصنع منها شمعةٌ يضيئها المسلمون أنفسهم، ما الهدف من صور المذابح التّي تتكاثر وكأنّ العالم قد تحوّل إلى مسلّخٍ بشريٍّ هائل. لو فكّرنا في البورميين كبشرٍ يموتون على يد حاكمهم، لو فكّرنا فيهم كإنسان مضطهد، يبحث عن قليلٍ من خبزٍ وحرية كما أي بشري على كوكب الأرض، لو فكّرنا بأحلامهم بآمالهم برغبتهم في المشاركة في حكمٍ حتّى انتخابات الشعب لم تنفع في إزالته، لو فكّرنا برغباتهم في بناء وطن لكلّ أبنائه يحترم أقليّته كأكثريته، لو فكّرنا فيهم كبشر بعيدًا عن أعراقهم وديانتهم هل كانت نصرتنا لهم ستخفّ من حدّتها، هل كانت نفوسنا ستهدأ.

البورميون يموتون كما يموت العراقيون والفلسطينيون والسوريون، كما يموت المواطن العربي البسيط الذي يقع ضحية صراعات لا يشارك إلّا في تمثيلها ويقبض ثمنها اللاعبون الكبار. البورميون يذبحون كما  يضغط انتحاريٌ زرًا فيبيد ناسًا تعجّ بالأسواق، كما تُزرع سيارةٌ مفخخة في أماكن تضيق بالكبار والصغار كما يحتزّ نصل سكين حادٍ أطفالًا في الحولة وفي كلّ سوريا على يد الظلام.

الظلام يقتل الشعب في بورما، يد الجلّاد والسّفاح المتكررة في كلّ أصقاع الأرض، يموتون ليس لأنّهم مسلمين قالوا بوحدانية الإله، يموتون لأنّ هناك في كلّ بقعةٍ من العالم أنفاسٌ شيطانية تكره أن يعيش الإنسان، أنفاسٌ سوداء ترى في الحياة بذخًا وإسراف، أيادٍ للظلام تبتلع الأجساد ولا تشبع، تقتات على الأرواح، في كلّ العالم كائناتٌ ليست بالبشرية تحب أن تقتل صنف البشر، تحبّ للموت أن يتكاثر، تحب للخوف والقلق أن يظلّ سمة المستقبل، لا أطفال لديها لتنظر إلى بريق أعينهم، لا أحلام لديها سوى حلمٌ متوارثٌ بالسيطرة وطحن الآخر وإزالته من الوجود.

ما يحدث في بورما لا يستلزم حقنًا ونشرًا لنصرة أتباع الرسول، ما يحدث هناك يستلزم من البشرية كلّها أن تقوم لتوقف القتل تمامًا كما يجب أن يحدث هنا في العراق وسوريا وفلسطين واليمن والسعودية وليبيا، تمامًا كما يجب أن يحدث في كلّ أصقاع الأرض.

About these ads